ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

ولذا قال : وإما تخافن من قوم خيانة [ الأنفال : الآية ٥٨ ] وإما تخافن كقوله : فإما تثقفنهم [ الأنفال : الآية ٥٧ ] فهي ( إن ) الشرطية زيدت بعدها ( ما ) المؤكدة وجب اقتران المضارع بنون التوكيد، وهو كذلك في القرآن، ما جاء في القرآن ( إما ) إلا والفعل المضارع بعدها مؤكد بنون التوكيد الثقيلة ١، إلا أن التحقيق أنها هي اللغة الفصحى ولا تتعين، فيجوز عدم توكيد الفعل بعد ( إما ) (.... ) ٢وكقول لبيد بن ربيعة ٣ :
فإما تريني اليوم أصبحت سالما *** فلست بأحظى من كلاب وجعفر
وقول الحماسي ٤ :
زعمت تماضر أنني إما أمت *** يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
وهو كثير في كلام العرب. وزعم جماعة من علماء العربية أن حذف النون في هذه الشواهد لضرورة الشعر، وأن النون واجبة. وزعم جماعة آخرون أنها لغة فصيحة لا ضرورة شعرية.
ومعنى قوله : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء نزلت هذه الآية الكريمة في بني قريظة، قال بعض العلماء : في هذه الآية إشكال معروف ؛ لأن قوله : تخافن الخوف يطلق على الظن الذي لا يستلزم اليقين، والعهد مؤكد متيقن، فكيف ينتقل عن حكم يقين العهد إلى ظن نقض العهد، والقاعدة المقررة في الأصول : أن اليقين لا يرتفع بالشك ٥ ؟
وأجاب العلماء عن هذا بجوابين ٦ :
أحدهما : هو – ما قدمنا مرارا – أن العرب ربما أطلقت الخوف وأرادت به العلم، كقوله : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله [ البقرة : الآية ٢٢٩ ]. علمتم من قرائن أحوالهما ألا يقيما حدود الله. إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله أي : يعلما ألا يقيما حدود الله. ولا شك أن العرب تطلق الخوف على العلم اليقين، ومن شواهده قول أبي محجن، مالك بن حبيب الثقفي ٧ :
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة *** تروي عظامي في الممات عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وهو يتيقن علما أنه إذا مات لا يذوقها، فقد أطلق ( أخاف ) وأراد أعلم وهو عربي فصيح. وعلى هذا القول ف وإما تخافن أي : إما تعلمن من قوم خيانة. وقال أكثر العلماء : إن كان بينك وبين قوم عهود ومواثيق – كالعهود التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبين يهود بني قريظة – إن تخافن من هؤلاء القوم الذين كانت بينك وبينهم عهود تخافن منهم خيانة، أي : خيانة بنقض تلك العهود بأن يخونك وينقضوا العهود. و ( ياء ) الخيانة مبدلة من واو ؛ لأن أصل مادة الخيانة أجوف واوي العين، من : خان يخون. أصلها :( خوانة ) فأبدلت الواو ياء ٨، كالحيازة من الحوز، والصيانة من الصون، والصيام من الصوم. إن تخف يعني من قوم بينك وبينهم عهود ومواثيق تخف منهم خيانة، أي : غدرا ونقضا للعهود فانبذ إليهم على سواء يعني بأن يكون خوف الخيانة ظهرت له أمارات ومبادئ وقرائن يستدل بها عليه، كما ظهر من بني قريظة كما ظهر من بني قريظة أنهم لما عاضدوا المشركين وناصروهم ولم يصرحوا بنبذ العهد كانت مناصرة المشركين ومعاضدتهم قرائن واضحة وأمارات لائحة على أنهم ناقضون للعهد.
وعلى كل حال فالذي دل عليه استقراء القرآن ودلت عليه الوقائع – وهو الصحيح إن شاء الله – أن الأمر له حالتان : تارة يكون الكفار الذين بيننا وبينهم عهد ومصالحة تصدر منهم أشياء تدل على نقض العهد، لدلالة قرائن على ذلك، أنهم صدرت منهم مبادئ نقض العهد، ففي هذه الحالة لا ينبغي للإمام أن يبقى على عهدهم وقد ظهر له منهم أمارات الخيانة لئلا يصيبوا المسلمين بغائلة، ففي هذه الحالة يجب على الإمام أن يصارحهم ويقول لهم : رأينا منكم ما يدل على نقضكم العهد وهو كذا وكذا وكذا، فهذا عهدنا إليكم قد طرحناه إليكم، ونبذناه إليكم، وألقيناه إليكم، وأعلمناكم أنه ليس بيننا وبينكم عهد، خوف أن تظنوا أنا نخدعكم ونكيدكم ونحاربكم غفلة منكم. وهذا معنى قوله : فانبذ إليهم على سواء النبذ في لغة العرب : الطرح. ومفعول ( انبذ ) محذوف، أي : فاطرح إليهم عهدهم، وألقه إليهم في حال كونك أنت وهم ( على سواء ) على استواء في العلم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، ليس أحد منكما يدلس للآخر. وعلى هذا فقوله : على سواء أي : في العلم ؛ بأنك لست على صلحك الأول لما رأيت من علامات غدرهم ونقضهم له.
قال بعض العلماء : فانبذ إليهم عهدهم حال كون ذلك النبذ على سواء. أي : على عدالة وطريقة محمودة ؛ لأن العرب تسمي العدالة ( سواء )، وتسمي الطريق العدل الواضح ( سواء ) و ( سويا ) ومن هذا قول الراجز ٩ :
واضرب وجوه الغدر الأعداء *** حتى يجيبوك إلى السواء
أي : إلى العدالة والإنصاف من غير ميل ولا جور. وهذا معنى قوله : وإما تخافن من قوم خيانة أي : إن خفت يا نبي الله خيانة من قوم كان بينك وبينهم عهد بأن ظهرت لك أمارات الغدر وعلاماته وأوائله منهم فانبذ إليهم فاطرح إليهم، وألق إليهم العهد في حال كونك وإياهم على سواء أي : مستوين في العلم بالحالة الواقعة وأنه لا عهد بينك وبينهم. وقد جاء عن معاوية ( رضي الله عنه ) أنه كان بينه وبين الروم مصالحة وعهود ثم إنه ( رضي الله عنه ) سار إليهم وهم لا يشعرون ليقرب منهم، فإذا انقضت مدة العهد كان قريبا منهم فحمل عليهم، فإذا رجل على فرس له – وفي بعض روايات الحديث في السنن وغيرها – على دابة له، ذلك الرجل يقول : الله أكبر، الله أكبر، وفاء ولا غدر، فلما جيء معاوية به وجده عمرو بن عبسة ( رضي الله عنه ) فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن كانت بينكم وبينه عهود فلا تشدوا العقدة ولا تحلوها حتى تنقضي المدة أو تنبذوا إليهم على سواء ". قالوا : فرجع معاوية رضي الله عنه ١٠.
ومعنى الآية الكريمة : إن تخف الخيانة من قوم بينك وبينهم عهد – والخيانة هنا : الغدر ونقض العهد – فانبذ إليهم أي : فاطرح إليهم عهدهم على سواء أنت وهم مستويان في العلم بنقض العهد، ولا تدلس لهم فيظنوا أنك على عهد حتى تمكر بهم وهم في غفلة، بل أعلمهم بنقض العهد ليستعدوا للحرب ولا تحاربهم في غفلة. وهذا من كمال إنصاف دين الإسلام ؛ لأن التعاليم السماوية والكتب الإلهية هي في غاية العدالة والإنصاف، حتى مع الكفار نهى نبيه أن يحاربهم وهم في غفلة من ذلك، بل أمره أن يعلمهم وينبذ إليهم العهد علنا حتى يستوي الجميع في العلم بالحال الواقعة ليستعدوا للحرب والقتال ؛ ولئلا يؤخذوا على غرة، فهذه مكارم الأخلاق والعدالة الكاملة. ولا شك أن هذا التشريع تشريع ممن هو عالم بأن أولياءه لهم النصر والظفر لا حاجة له في استعداد الكفار وعلمهم وقوتهم ؛ لأنه يعلم أنهم مغلوبون مقهورون، وأن الدائرة عليهم، وهذا معنى قوله : فانبذ إليهم على سواء . إن الله لا يحب الخائنين [ الأنفال : الآية ٥٨ ].
أما إذا تيقن العدو للعهد بأن قتلوا المسلمين، وفعلوا الأفاعيل، وصرحوا بنقض العهد علنا فهؤلاء لا حاجة لإعلامهم ؛ لأن أمرهم واضح، وهم لا يشكون في نقضهم العهد ؛ ولأجل ذلك لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش صلح الحديبية في ذي القعدة من عام ست من الهجرة عقدته بينه وبينهم على يد سهيل بن عمرو العامري – رضي الله عنه وكان في ذلك الوقت كافرا – وانعقد هذا الصلح، ودخل خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأعداؤهم من البكريين في عهد قريش، وكان صلح الحديبية وقع على المهادنة تسع سنين، فغدر قريش غدرا علنا، وأعانوا البكريين على خزاعة فقتلوهم، لما كان هذا الغدر علنا ظاهرا لا إشكال فيه ولا لبس فيه لم ينبذ إليهم رسول الله على سواء، بل غزا قريشا غزوة الفتح، وأهل الأخبار والسير يقولون : إنه قال : " اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها في ديارها " ١١، وما دروا إلا والمسلمون بمر الظهران كل رجل يوقد نارا ؛ لأن نقضهم للعهد هنا لا يتناوله وإما تخافن من قوم خيانة لأنهم خانوا بالفعل وقتلوا الخزاعيين قتلا ذريعا، كما قال صاحبهم الذي استنجد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمرو بن سالم الخزاعي ( رضي الله عنه ) ؛ لأن قريشا لما نقضوا العهد وقتلوا خزاعة مع البكريين أرسل الخزاعيون عمرو بن سالم ( رضي الله عنه ) فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة – هذه حرسها الله – قام عمرو بن سالم الخزاعي وذكر رجزه المشهور الذي يصرح فيه بأنهم قتلوهم، وأن نقضهم للعهد كالشمس لا شك فيه حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم في رجزه المشهور :
يا رب إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا
ثم قال ١٢ :
إن قريشا أخلفوك الموعدا *** ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست تدعوا أحدا *** وهم أذل وأقل عددا
فادع عباد الله يأتوا مددا *** فيهم رسول الله قد تجردا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا *** إن سيم خسفا وجهه تربدا
*** فانصر هداك الله نصرا أيدا
إلى آخر رجزه المعروف. وذكر أصحاب السير والأخبار أنه صلى الله عليه وسلم : قال " لا نصرني الله إن لم أنصرك " ١٣. ولم ينبذ إلى قريش على سواء، بل تجهز إليهم في غزوة الفتح في رمضان من عام ثمان، وأنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) لم يعلموا به حتى قرب من ديارهم، وكان ما وقع مما هو مشهور يوم الفتح. وهذا معنى قوله : فانبذ إليهم على سواء .
إن الله جل وعلا لا يحب الخائنين [ الأنفال : الآية ٥٨ ] وكل شيء لا [ يحبه ] ١٤ الله دل على أن صاحبه مرتكب جريمة وذنبا عظيما. والخائنون : جمع خائن، وأصل الهمزة في الخائنين مبدلة من واو ؛ لأن ( الفاعل ) من الأجوف تبدل عينه همزة، سواء كانت واوا أو ياء، والهمزة في محل الواو ؛ لأن المادة واوية العين كما بينا ١٥. فالله ( جل وعلا ) يبغض الخائنين، فلا ينبغي للإنسان أن يخون، وهذا من مكارم الأخلاق، وغاية عدالة الكتب السماوية وإنصافها.

١ مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف..
٢ في هذه الموضع وقع مسح في التسجيل. ويظهر أن الشيخ (رحمه الله) ذكر بعض الشواهد الشعرية. ويمكن الوقوف على الكلام على هذه المسألة بشواهدها في كتاب شرح الكافية (٣/ ١٤٠٩ - ١٤١٠)، وفي كلام الشيخ (رحمه الله) فيما سبق عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف..
٣ مضى عند تفسير الآية (٣٥) من سورة الأعراف..
٤ السابق..
٥ انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٥٣، القواعد الفقهية الخمس الكبرى من مجموع فتاوى ابن تميمة ص ١٨٧، شرح القواعد الفقهية للزرقا ص ٣٥..
٦ انظر: القرطبي (٨/ ٣١)..
٧ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة الأنعام..
٨ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ١٠٤..
٩ البيت في ابن جرير (١٤ / ٢٧) القرطبي (٨/ ٣٣)..
١٠ أخرجه الترمي في السير، باب ما جاء في الغدر. حديث رقم: (١٥٨٠)، (٤/ ١٤٣). وأبو داود في الجهاد، باب في الإمام يون بينه وبين العدو عهد فيسير نحوه. حديث رقم: (٢٧٤٢) (٧/ ٤٣٩). وانظر صحيح الترمذي حديث رقم: (١٢٨٥)، صحيح أبي داود، حديث رقم: (٢٣٩٧)..
١١ السيرة لابن هشام ص ١٢٣٨ من طريق ابن إسحاق، وكذا أورده ابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٨٣)..
١٢ نص هذه الأبيات في ابن هشام ص ١٢٣٥، البداية والنهاية (٤/ ٢٧٨) هكذا:
يــارب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع فباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء وصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقثل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا.

١٣ الذي تقله ابن هشام ص (١٢٣٦)، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٢٧٨) قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم"..
١٤ في الأصل: "يبغضه" وهو سبق لسان..
١٥ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ١٠٣..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير