وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ( ٦٠ )* وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ٦١ ) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال : ٦٠-٦٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن أبان عز اسمه فيما سلف أن اليهود الذين عقدوا العهود مع النبي صلى الله عليه وسلم وبها أمنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم- قد خانوه ونقضوا العهود وساعدوا عليه أعداءه المشركين الذين أخرجوه من دياره ووطنه وتبعوه إلى مَهْجَرِه يقاتلون فيه لأجل دينهم، وبذلك صاروا هم والمشركون سواء- أردف ذلك ذِكر ما يجب على المؤمنين في معاملتهم أثناء الحرب التي أصبحت لا مناص منها بما أحدثوه من الخيانة والغدر والبُداءة بالعدوان، وذلك سنة من سنن الاجتماع البشري، إذ حصول الصراع بين الحق والباطل والقوة والضعف أمر لا مندوحة منه.
تفسير المفردات :
الإعداد : تهيئة الشيء للمستقبل. والرباط والمربط : الحبل الذي تربط به الدابة. ورباط الخيل : حبسها واقتناؤها. والإرهاب والترهيب : الإيقاع في الرهبة وهي الخوف المقترن بالاضطراب.
الإيضاح :
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل أمر الله المؤمنين بالاستعداد للحرب التي لا بد منها لدفع العدوان وحفظ الأنفس والحق والفضيلة.
ويكون ذلك بأمرين :
إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر : صنع المدافع والطيارات والقنابل والدبابات وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب.
وقد استعمال الصحابة المَنْجَنيق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر وغيرها، روى مسلم عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقد تلا هذه الآية يقول :( ألا إن القوّة الرمي ) قالها ثلاثا، وذلك أن رمي العدو عن بعد بما يقتله أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو رمح أو حربة أو نحو ذلك، وهذا يشمل السهم وقَذيفة المنجنيق والطيارة والمِدفع والبندقية ونحوها، فاللفظ يشملها وإن لم تكن معروفة في عصره صلى الله عليه وسلم.
مرابطة الفرسان في ثغور البلاد وحدودها، إذ هي مداخل الأعداء، ومواضع مهاجمتهم للبلاد.
والحكمة في هذا : أن يكون للأمة جند دائم مستعد للدفاع عنها إذا فاجأها العدو على غِرّة، وقوام ذلك الفرسان لسرعة حركتهم وقدرتهم على القتال وإيصال الأخبار من الثغور إلى العواصم وسائر الأرجاء، ومن أجل هذا عظم الشارع أمر الخيل وأمر بإكرامها، ولا يزال للفرسان نصيب كبير في الحرب في هذا العصر الذي ارتقت فيه الفنون العسكرية في الدول الحربية.
ترهبون به عدو الله وعدوكم أي أعدوا لهم المستطاع من القوة الحربية ومن الفرسان المرابطة لترهبوا عدو الله الكافرين به، وبما أنزله على رسوله وعدوكم الذين يتربصون بكم الدوائر، إذ لا شيء يمنع الحرب إلا الاستعداد للحرب، فالكفار إذا علموا استعداد المسلمين وتأهبهم للجهاد واستكمالهم لجميع الأسلحة والآلات خافوهم، وإلى هذا يشير أبو تمام إذ يقول :
| وأخافكم كي تُغْمِدوا أسيافكم | إن الدّم المغبّر يحْرُسه الدم |
يجعل أعداءهم لا يعينون عدوا آخر عليهم.
يجعلهم يؤدون الالتزامات المطلوبة منهم.
ربما حملهم ذلك على الدخول في الإسلام والإيمان بالله ورسوله.
وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم أي وترهبون به أناسا غير هؤلاء الأعداء المعروفين لكم، وهم مشركو مكة ومن والاهم ممن يجمعون بين هاتين العداوتين حين نزول الآية عقب غزوة بدر- ممن لا تعلمون الآن عداوتهم بل يعلمهم الله وهو علام الغيوب.
والخلاصة : إن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يُرْهب الأعداء الذين نعلم أنهم أعداء يُرْهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء، فالاستعداد للحرب يرهبهم جميعا ويمنعهم من الإقدام على القتال، وهذا ما يسمى في العصر الحديث : السلام المسلح.
وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم أي وما تنفقوا من شيء قليلا كان أو كثيرا في إعداد المستطاع من القوة والمرابطة في سبيل الله فالله يعطيكم عليه الجزاء الوافي التام.
وأنتم لا تظلمون أي والحال أنه لا يلحقكم ظلم ولا اضطهاد من أعدائكم، فإن القويّ المستعد لمقاومة المعتدي قلما يعتدي عليه أحد، وإن اعتدى عليه فقلّ أن يظفر به.
وفي هذا إيماء إلى أن إعداد المستطاع من القوة الحربية والمرابطة في سبيل الله لا يمكن تحقيقها إلا بإنفاق الكثير من المال، ومن ثم رغّب سبحانه عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله، ووعدهم بأن كل ما ينفقون فيها يوفى إليهم إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فحسب.
وإذا كان السلم هو المقصد الأول لا الحرب أكده بقوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ( ٦٠ )* وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ٦١ ) وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال : ٦٠-٦٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن أبان عز اسمه فيما سلف أن اليهود الذين عقدوا العهود مع النبي صلى الله عليه وسلم وبها أمنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم- قد خانوه ونقضوا العهود وساعدوا عليه أعداءه المشركين الذين أخرجوه من دياره ووطنه وتبعوه إلى مَهْجَرِه يقاتلون فيه لأجل دينهم، وبذلك صاروا هم والمشركون سواء- أردف ذلك ذِكر ما يجب على المؤمنين في معاملتهم أثناء الحرب التي أصبحت لا مناص منها بما أحدثوه من الخيانة والغدر والبُداءة بالعدوان، وذلك سنة من سنن الاجتماع البشري، إذ حصول الصراع بين الحق والباطل والقوة والضعف أمر لا مندوحة منه.
تفسير المراغي
المراغي