ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

قوله : وأعدوا [ الأنفال : الآية ٦٠ ] أمر من الإعداد، والإعداد في لغة العرب التي نزل بها القرآن : معناه اتخاذ الشيء، وادخاره إلى وقت الحاجة إليه، فكل شيء اتخذته وجعلته عندك تنتظر به وقت الحاجة إليه فقد أعددته. والأمر في قوله : وأعدوا للوجوب ؛ لأن المقرر في الأصول : أن صيغة ( افعل ) تدل على الوجوب ما لم يصرف عن ذلك صارف ١ [ من ] ٢ كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. ونعني بصيغة ( افعل ) : الصيغ الأربع الدالة على الأمر الذي هو اقتضاء طلب الفعل. والصيغ الدالة على الأمر أربعا ٣ : فعل الأمر، كقوله هنا : وأعدوا وكقوله : أقم الصلوة [ الإسراء : الآية ٧٨ ] والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا [ الحج : الآية ٢٩ ] واسم فعل الأمر، نحو : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل [ النساء : الآية ١٠٥ ] والمصدر النائب عن فعله، نحو : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب [ محمد : الآية ٤ ] أي : فاضربوا رقابهم.
ولعلماء الأصول اختلاف في صيغة ( افعل ) إذا جاءت في كلام الله أو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم وتجردت عن القرائن ماذا تفيده عند الإطلاق ٤، هل هو الإيجاب المتحتم، أو الندب، أو الطلب ؟ إلى غير ذلك من الأقوال.
والتحقيق الذي دلت عليه الأدلة : أن النصوص الشرعية واللغة العربية التي نزل بها القرآن كلها يدل على أن صيغة ( افعل ) تقتضي الوجوب ما لم تقترن بدليل يصرفها عن ذلك، والدليل على ذلك من القرآن : أن الله ( جل وعلا ) قال : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : الآية ٦٣ ] فلو كانت مخالفة الأمر غير معصية، وامتثال الأمر غير واجب لما شدد عليه هذا الوعيد العظيم في قوله : أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وقال تعالى لإبليس : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [ الأعراف : الآية ١٢ ] والأمر بصيغة ( افعل ) وهو قوله : اسجدوا لأدم [ الأعراف : الآية ١١ ] فعنفه التعنيف الشديد الذي لا يفعل إلا لتارك الواجب على مخالفته لصيغة ( افعل ) التي هي : اسجدوا لأدم وقد قال نبي الله موسى لأخيه هارون : أفعصيت أمري [ طه : الآية ٩٣ ] يعني قوله : اخلفني في قومي وأصلح الآية [ الأعراف : الآية ١٤٢ ]. والمعصية لا تسمى إلا لارتكاب الحرام المستوجب للإثم، وقد وبخ الله ( جل وعلا ) قوما توبيخا شديدا لمخالفتهم لصيغة ( افعل ) في : وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون [ المرسلات : الآية ٤٨ ] ( اركعوا ) صيغة ( افعل ) وقد وبخ من لم يمتثلها وعنفه تعنيفا شديدا في قوله : وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ( ٤٨ ) ، وقال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم [ الأحزاب : الآية ٣٦ ] وفي القراءة الأخرى : أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ٥ فجعل أمر الله وأمر الرسول موجبا للامتثال قاطعا للاختيار. وقال في الملائكة : لا يعصون الله ما أمرهم [ التحريم : الآية ٦ ] فدل على أنهم لو لم يمتثلوا ما أمرهم لكانوا عاصين، حاشهم من ذلك.
وأما اللغة العربية : فإنك لو قلت لعبدك : اسقني ماء. أمرته وألزمته بصيغة ( افعل ) ثم ترك ولم يمتثل فأدبته، فقال لك العبد : تأديبك لي ليس واقعا في موقعه ؛ لأن صيغة ( افعل ) في قولك : " اسقني " لم تلزمني ولم توجب علي ! ! فكل من يعرف معنى اللسان العربي يقولون له : صيغة الأمر ألزمتك وأوجبت عليك، لكنك عصيت وخالفت.
ومرادنا بهذا : أن هذا أمر خالق السماوات والأرض، أمر رب العالمين بإعداد القوة التي يمكن أن تحصل في الاستطاعة، هذا واجب، وتضييعه حرام لا شك فيه، وبذلك يعلم أن تواكل من يسمون باسم المسلمين في أقطار الدنيا، وعدم سعيهم في إعداد القوة الكافية لقمع العدو أنه تمرد على نظام السماء، وعدم عمل بإرشادات خالق هذا الكون – جل وعلا- وامتثال أوامره، فالله ( جل وعلا ) في هذه السورة الكريمة وغيرها من سور القرآن رسم الطريق وبين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الطريق التي إذا فعلوها وساروا عليها كانت كفيلة بنصرهم، وذل أعدائهم، وقمع كلمة الكفر وإذلاله ؛ لأنه هنا أمر بإعداد القوة التي يمكن أن تدخل تحت الاستطاعة كائنة ما كانت، تطورت القوة مهما تطورت، وانتقلت من حال إلى أي حال، فالآية تساير التطور بدلالة مطابقتها مهما كان وما تحول الأمر ؛ لأن لفظها الصريح موجب أمر إيجاب سماوي من الله إعداد كل ما يمكن أن يدخل في الاستطاعة من القوة لقمع الكفرة ( قبحهم الله )، فهذا أمر واجب، فلو عمل الناس بهذا الأمر، وبذلوا ما عندهم من الإمكانيات والثروات في إعداد القوة الكاملة من جميع وجوبها، حتى في تعليم الأمور التي تطورت إليها الحياة الراهنة ؛ لأن كل حال له مقال، وكل حالة لها مواجهات بأمور تلائقها. ودين الإسلام مرن غاية المرانة، كل شيء يقابله بما يصلح له، وذلك في نور السماء الذي شرعه الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فإن القوة التي يقوى بها عسكر المسلمين، ويحمون حوزتهم، ويردون المسلوبات منهم إذا أعدوا القوة الكافية التي تدخل تحت الاستطاعة، ثم حول هذه القوة كانوا متكاتفين غير متنازعين غير متفرقين، كلمتهم واحدة، وذكروا الله كثيرا، وتعلقت أرواحهم بربهم، وطلبوا المدد من السماء، كانت أسباب النصر كلها متوفرة لديهم لقوتهم الكافية، ولعدم فشلهم ؛ ولأنهم إذا فشلوا وتفرقوا دخل العدو بينهم، ورمى بعضهم ببعض كما قال تعالى : ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ الأنفال : الآية ٤٦ ] وقال تعالى : ولا تفرقوا [ آل عمران : الآية ١٠٣ ] لا تتفرقوا، هذه أوامر الله، والقرآن يوضح الطريقة التي لو سلكها الناس لكانت كفيلة لهم بالنصر والظفر ؛ لأن منها إعداد القوة الكافية، وكل من عنده مال فباستطاعته كل شيء ؛ لأن المال سبب لكل شيء، وهو شريان الحياة، ويسخر الله به لمن أعطاه إياه كل الإمكانيات من تعليم حتى يتعلم ما تعلمه الكفرة ويصل إلى ما وصلوا إليه، ويستعين به في جميع الميادين ليكتسب به القوة الكاملة.
ومعلوم أن هذه أوامر الله، وأنها متروكة، وأن دين الإسلام هو هو، وصلته بالله هي هي، وأن المتسمين باسم الإسلام هم الذين تنكروا للدين، وفارقوا الآية الجبارة القاهرة التي كانوا يقهرون بها أعداء الله، وهي طاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا شك أنه يجب على المسلمين امتثال أوامر الله، وأن يتفطنوا ويتحرزوا، ويفرقوا بين النافع والضار ؛ لأن من طبيعة أدنى العقلاء التفريق بين ما ينفع وما يضر، ولا شك أن ما يسميه الناس ( الحضارة الغربية ) دل الاستقراء الصحيح اليقين أن فيها ماء زلالا نافعا وسما قاتلا فاتكا، ونضرب لهذا مثلا ٦ : لأنك مثلا أيها الإنسان إذا وجدت إناء فيه ماء زلال وإناء فيه سم قاتل وأنت خارج من العمران في فلاة بعيدة شاسعة، فحالك لا يخلو من أربعة أحوال : إما أن تشرب الماء والسم معا، وإما أن تتركهما معا، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم. فافرض مثلا أنك وجدت ماء زلالا وسما فاتكا قتالا في موضع واحد، وأنت في فلاة معطشة بعيدا جدا من العمران، فلك مع هذا أربع حالات : إما أن تشربهما معا، وإما أن تتركهما معا، وإما أن تشرب السم وتترك الماء، وإما أن تشرب الماء وتترك السم، ولا خامسة البتة. وهذا تقسيم صحيح، فترجع لهذا التقسيم الصحيح بالسبر الصحيح فنقول : إذا شربتهما معا لم ينفعك الماء ؛ لأن السم الفتاك يقتلك ويقضي عليك، وإن تركتهما معا هلكت، ولم تبلغ العمران، ولم تلتحق بالركب، وإن أخذت السم وتركت الماء فأنت مجنون أهوج أحمق حيث أخذت ما يضرك وتركت ما ينفعك ! ! وإن كنت عاقلا يصدق عليك مطلق اسم العاقل أخذت الماء وتركت عنك السم. وهذا مثال لما جاءت الحضارة الغربية، فإن ما أحدثه من القوة المادية وأنواع التنظيمات في جميع ميادين الحياة هو ماء زلال محتاج له جدا لا بد منه/ في تطور هذه الحياة الراهنة حسب ما تطورت إليه من الأوضاع، وفيها سم قاتل فتاك لا شك فيه، وهو ما جنته من الكفر، والانحطاط الخلقي، والتمرد على نظام السماء، ومعاداة خالق السماوات والأرض. فالموقف الطبيعي للمسلمين في الأوضاع الراهنة أن يتأملوا فإذا أخذوها كلها بنافعها وضارها أهلكهم ضارها ولم ينتفعوا بالنافع، وإذا تركوها كلها – تركوا النافع منها والضار – بقوا ولم يلحقوا، وبقوا مستضعفين، وإذا أخذوا ضارها دون نافعها فهم قوم مجانبين، هم حمقى لا عقول لهم، وإن أخذوا النافع وتركوا الضار فهذا هو الأمر الطبيعي لكل عاقل.
والمؤسف كل الأسف أن غالب من يتسمى باسم الثقافة والحضارة والتمدن لا يأخذ منهم إلا القشور المهلكة، والسموم الفاتكة، من الانحطاط الخلقي، والتمرد على نظام السماء، والتنكر لخالق هذا الكون، في الوقت الذي لا يستفيد فيه من مائها الزلال – الذي هو قوتها - شيئا ! ! وهذه المسألة معكوسة جمع صاحبها بين الكفر والإفلاس.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ٧
وإذا كان ربنا يقول في هذا المحكم المنزل آخر الكتب السماوية عهدا برب العالمين : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [ الأنفال : الآية ٦٠ ] مهما تطورت القوة، ومهما بلغت كائنة ما كانت ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله كان وقت نزولها أقوى القوة وأعظم العدة الخيل وما جرى مجراها من الرمي، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر الجهني ( رضي الله عنه ) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". كررها ثلاثا ٨. لأن الرمي في ذلك الوقت وإعداد الخيل والسيوف هذا هو أقوى القوة وأعظمها في ذلك الوقت، والإعداد في ذلك كان يكون بمثل هذا، حتى قال الشاعر ٩ :
وأعددت للحرب أوزارها *** رماحا طوالا وخيلا ذكورا
وقال عمرو بن معد يكرب الزبيدي ١٠ :
أعددت للحدثان سا *** بغة وعداء علندى
يعني : درعا وفرسا ذكرا.
أما الآن فقد تطورت الحياة عن ذلك في ظروفها الراهنة، وصارت الخيل والدروع لا تغني شيئا، فصار الأمر يتطلب شيئا زائدا على ذلك يساير الأحوال، ويساير التطور في حالاته الراهنة، فعلى المسلمين أن يعدوا كل ما في الاستطاعة منه، ولكنهم – وإنا لله وإنا إليه راجعون – لا يعدون في أغلب أقطار المعمورة شيئا، والكفار يتقون ويسلطهم الله عليهم بذنوبهم. أما التعاليم السماوية فهي لا تشجع على الضعف والتوكل والتسليم للأعداء، لا، إنما تأمر بالقوة وإعداد القوة المستطاعة، والكفاح القوي، وعدم التنازع، وعدم التفرق، والاتصال مع هذا كله بخالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واجتناب نهيه إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله [ الأنفال : الآية ٤٥ ] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا معنى قوله : وأعدوا لهم ما استطعتم من قو ومن رباط الخيل وأعدوا لهم ما استطعتم إعداده ومن رباط الخيل الرباط : تطلقه العرب على عين الخيل المربوطة، يقولون : هذا رباط. أي : خيل مربوطة في سبيل الله. قال بعضهم : هو جمع ربيط، فر

١ مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام..
٢ في هذا الموضع وقع مسح في التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام..
٣ مضى عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف..
٤ مضى عند تفسير الآية (٤٤) من سورة الأنعام..
٥ مضت عند تفسير الآية (٣) من سورة الأعراف..
٦ مضى عند تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام..
٧ مضى عند تفسير الآية (١٠٠) من سورة الأنعام..
٨ أخرجه مسلم في الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه. حديث رقم (١٩١٧) (٣/ ١٥٢٢)..
٩ البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٧١، تاريخ دمشق (٢٠/ ١٤٠)..
١٠ البيت في الدر المصون (١/ ٢٠٧)، شواهد الكشاف ص ٣٢..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير