ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

هذا الدرس الأخير من سورة الأنفال يتضمن الكثير من قواعد التعامل مع المعسكرات المتنوعة في السلم والحرب ؛ والتنظيمات الداخلية للمجتمع الإسلامي وعلاقته بالمنظمات الخارجية ؛ ونظرة الإسلام إلى العهود والمواثيق في شتى الأحوال ؛ ونظرته كذلك إلى علاقات الدم والجنس والأرض وعلاقات العقيدة.
ومنه تتبين عدة قواعد وأحكام بعضها نهائي في موضوعه ؛ وبعضها مرحلي كان يواجه أحوالاً معينة واقعة، ثم أدخلت عليه التعديلات النهائية المستقرة في سورة التوبة قرب نهاية العهد المدني.
ومن بين هذه القواعد والأحكام حسب ورودها في السياق القرآني :
أن الذين يعاهدون المعسكر الإسلامي، ثم يخلفون عهدهم معه هم شر الدواب.. ومن ثم ينبغي أن يؤدبهم المعسكر الإسلامي تأديباً يلحظ فيه الإرهاب الذي يشردهم ويشرد من وراءهم ممن تراودهم نية نقض العهد أو نية مهاجمة المعسكر الإسلامي.
أن المعاهدين الذين تخشى القيادة الإسلامية منهم نقض العهد والخيانة ؛ فإن لهذه القيادة أن تنبذ إليهم عهدهم، وتعلنهم بإلغائه. ومن ثم تصبح في حل من قتالهم وتأديبهم وإرهاب من وراءهم من أمثالهم.
أنه يجب على المعسكر الإسلامي إعداد العدة دائماً واستكمال القوة بأقصى الحدود الممكنة ؛ لتكون القوة المهتدية هي القوة العليا في الأرض ؛ التي ترهبها جميع القوى المبطلة ؛ والتي تتسامع بها هذه القوى في أرجاء الأرض، فتهاب أولا أن تهاجم دار الاسلام ؛ وتستسلم كذلك لسلطان الله فلا تمنع داعية إلى الإسلام في أرضها من الدعوة، ولا تصد أحداً من أهلها عن الاستجابة، ولا تدعي حق الحاكمية وتعبيد الناس، حتى يكون الدين كله لله.
أنه إذا جنح فريق من غير المسلمين إلى مسالمة المعسكر الإسلامي وموادعته وعدم الوقوف في وجهه فإن القيادة الإسلامية تقبل منهم المسالمة، وتعاهدهم عليها. فإن أضمروا الخديعة ولم يبد في الظاهر ما يدل عليها، ترك أمرهم إلى الله، وهو يكفي المسلمين شر الخادعين.
أن الجهاد فريضة على المسلمين حتى لو كان عدد أعدائهم أضعاف عددهم. وأنهم منصورون بعون الله على أعدائهم، وان الواحد منهم كفء لعشرة من الأعداء، وكفء لاثنين في أضعف الحالات وفريضة الجهاد إذن لا تنتظر تكافؤ القوى الظاهرة بين المؤمنين وعدوهم ؛ فحسب المؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من القوى، وأن يثقوا بالله، وأن يثبتوا في المعركة، ويصبروا عليها ؛ والبقية على الله. ذلك أنهم يملكون قوة أخرى غير القوى المادية الظاهرة..
أن المعسكر الإسلامي يجب أن يكون همه ابتداء القضاء على قوة الطاغوت بتحطيم كل أسباب القوة. فإذا كان أسر المقاتلين وفداؤهم لا يحقق هذه الغاية، فان هذا الاجراء يستبعد.. ذلك أنه لا يكون للرسل وأتباعهم أسرى إلا بعد أن يثخنوا في الأرض، فيدمروا قوة عدوهم، ويستعلوا هم في الأرض ويتمكنوا بقوتهم ؛ وعندئذ لا يكون هناك من بأس في أخذ الأسرى وفدائهم. أما قبل ذلك فالتقتيل في المعركة أولى وأجدى.
أن الغنائم حل للمسلمين في المعركة من أموال المشركين. كما أحل لهم أن يأخذوا فدية الأسرى بعد أن يثخنوا في الأرض ويتمكنوا فيها ويخضدوا شوكة عدوهم ويحطموها.
أن الأسرى في المعسكر المسلم ينبغي أن يرغبوا في الإسلام. بوعد الله لهم أن يعطيهم خيراً مما أخذ منهم من الغنيمة أو الفداء. مع تحذيرهم من الخيانة ببأس الله الذي أمكن منهم أول مرة
أن آصرة التجمع في المجتمع الإسلامي هي العقيدة ؛ ولكن الولاء في هذا المجتمع لا يكون إلا على أساس العقيدة والتنظيم الحركي معاً، فالذين آمنوا وهاجروا والذين آووا ونصروا بعضهم أولياء بعض. أما الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى دار الاسلام، فلا ولاء بينهم وبين المعسكر المسلم في دار الاسلام.. أي لا تناصر ولا تكافل.. ولا ينصرهم المسلمون إلا إذا اعتدي عليهم في عقيدتهم ؛ وكان هذا الاعتداء من قوم ليس بينهم وبين المسلمين عهد.
أن قيام التجمع والولاء في المجتمع المسلم على آصرة العقيدة والتنظيم الحركي، لا يمنع أن يكون أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ؛ فيكونوا أقرب في الولاء - متى تحقق شرط العقيدة وشرط التنظيم الحركي - فأما قرابة الرحم وحدها فلا تنشئ أولوية ولا ولاء إذا انفصمت رابطة العقيدة ورابطة التنظيم الحركي.

هذه -
على وجه الإجمال - هي المبادئ والقواعد التي يتضمنها هذا الدرس ؛ وهي تمثل جملة صالحة من قواعد النظام الإسلامي الداخلي والخارجي.. وسنحاول أن نتناولها بشيء من التفصيل في مواجهة النصوص القرآنية :
( إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون. الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة، وهم لا يتقون. فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يعجزون. وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم. وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم )..
هذه الآيات كانت تواجه حالة قائمة بالفعل في حياة الجماعة المسلمة، عند نشأة الدولة المسلمة بالمدينة ؛ وتزود القيادة المسلمة بالأحكام التي تواجه بها هذه الحالة.
وهي تمثل إحدي قواعد العلاقات الخارجية بين المعسكر المسلم وما حوله من المعسكرات الأخرى، ولم تدخل عليها إلا تكملات وتعديلات جانبية فيما بعد ؛ ولكنها ظلت إحدى القواعد الأساسية في المعاملات الإسلامية الدولية.
إنها تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ؛ ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها ؛ مع إعطاء هذه العهود الإحترام الكامل والجدية الحقيقية. فأما إذا اتخذ الفريق الآخر هذه العهود ستاراً يدبر من ورائه الخيانة والغدر ؛ ويستعد للمبادأة والشر ؛ فإن للقيادة المسلمة أن تنبذ هذه العهود، وتعلن الفريق الآخر بهذا النبذ ؛ وتصبح مطلقة اليد في اختيار وقت الضربة التالية للخائنين الغادرين.. على أن تكون هذه الضربة من العنف والشدة بحيث ترهب كل من تحدثه نفسه بالتعرض للمجتمع المسلم سرا أو جهراً !.. فأما الذين يسالمون المعسكر الإسلامي ؛ ويريدون عدم التعرض للدعوة الإسلامية، أو الحيلولة دون وصولها إلى كل سمع ؛ فإن للقيادة المسلمة أن توادعهم ما دام ظاهرهم يدل على أنهم يجنحون إلى السلم ويريدونها.
وهذه - كما هو ظاهر - مواجهة عملية واقعية لحالات عملية واقعية في العلاقات بين المعسكرات المتجاورة ؛ لا ترفض الموادعة - متى تحقق للدعوة الإسلامية الأمان الحقيقي وزوال العقبات المادية من طريقها وهي تتحرك لتبلغ الأسماع والقلوب - وفي الوقت ذاته لا تسمح أن تكون عهود الموادعة ستاراً للأعداء، وترساً يتترسون به لضرب المجتمع المسلم غيلة وغدراً.
أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك، فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة، والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله :" ولما قدم النبي [ ص ] المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام : قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه - وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم - وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه.. ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن. ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم. ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى "..
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة ؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة.
وظاهر أن هذه الأوضاع لم تكن إلا أوضاعاً موقتة، تواجه أحوالاً واقعة ؛ ولم تكن أحكاماً نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية ؛ وأنها عدلت فيما بعد تعديلات متوالية، حتى استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة..
وهذه المراحل التي مرت بها هذه العلاقات سبق في الجزء التاسع أن نقلنا لها تلخيصاً جيداً للإمام ابن القيم في زاد المعاد. ولا نرى بأساً من إعادة هذا التلخيص هنا لضرورته :
" فصل في ترتيب سياق هديه [ [ ص ] ] مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل.. أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته. فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه :( يا أيها المدثر. قم فأنذر )فنبأه بقوله :( اقرأ )وأرسله ب( يا أيها المدثر ). ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ؛ ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة.. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.. ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها : فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام. وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم. فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم.. وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسماً أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسماً لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليهفأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسماً لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم. فقتل الناقض لعهده ؛ وأجل من لا عهد له، أو له عهد مطلق، أربعة أشهر. وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذمة الجزية... إلخ "..
ومن مراجعة هذا التلخيص الجيد، ومراجعة أحداث السيرة، وتاريخ نزول السور والآيات التي تتضمن هذه الأحكام، يتبين لنا أن آيات سورة الأنفال التي نحن بصددها هنا، تمثل مرحلة وسيطة بين ما كان عليه الحال أول العهد بالمدينة، وما انتهى إليه الحال بعد نزول سورة براءة. ويجب أن تدرس هذه ا
ولكن الإسلام يتخذ للنصر عدته الواقعية التي تدخل في طوق العصبة المسلمة ؛ فهو لا يعلق أبصارها بتلك الآفاق العالية إلا وقد أمن لها الأرض الصلبة التي تطمئن عليها أقدامها ؛ وهيأ لها الأسباب العملية التي تعرفها فطرتها وتؤيدها تجاربها ؛ وإلا إذا أعدها هي للحركة الواقعية التي تحقق هذه الغايات العلوية :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم. وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ).
فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد ؛ والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها ؛ ويخص ( رباط الخيل )لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة.. ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيجد مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا - والمهم هو عموم التوجيه :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )..
إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في " الأرض " لتحرير " الإنسان ".. وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة : أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها ؛ فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.. والأمر الثاني : أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على " دار الإسلام " التي تحميها تلك القوة.. والأمر الثالث : أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير " الإنسان " كله في " الأرض " كلها.. والأمر الرابع : أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها ؛ ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ؛ ومن ثم فالحاكمية له وحده سبحانه..
إن الإسلام ليس نظاماً لاهوتياً يتحقق بمجرد استقراره عقيدة في القلوب، وتنظيماً للشعائر، ثم تنتهي مهمته ! إن الإسلام منهج عملي واقعي للحياة ؛ يواجه مناهج أخرى تقوم عليها سلطات وتقف وراءها قوى مادية. فلا مفر للإسلام - لإقرار منهجه الرباني - من تحطيم تلك القوى المادية، وتدمير السلطات التي تنفذ تلك المناهج الأخرى، وتقاوم المنهج الرباني..
وينبغي للمسلم ألا يتمتم ولا يجمجم وهو يعلن هذه الحقيقة الكبيرة.. ينبغي ألا يستشعر الخجل من طبيعة منهجه الرباني. ينبغي أن يذكر أن الإسلام حين ينطلق في الأرض إنما ينطلق لإعلان تحرير الإنسان بتقرير ألوهية الله وحده وتحطيم ألوهية العبيد ! إنه لا ينطلق بمنهج من صنع البشر ؛ ولا لتقرير سلطان زعيم، أو دولة، أو طبقة، أو جنس ! إنه لا ينطلق لاسترقاق العبيد ليفلحوا مزارع الأشراف كالرومان ؛ ولا لاستغلال الأسواق والخامات كالرأسمالية الغربية ؛ ولا لفرض مذهب بشري من صنع بشر جاهل قاصر كالشيوعية وما إليها من المذاهب البشرية.. إنما ينطلق بمنهج من صنع الله العليم الحكيم الخبير البصير، ولتقرير ألوهية الله وحده وسلطانه لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعبيد..
هذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يدركها المهزومون الذين يقفون بالدين موقف الدفاع ؛ وهم يتمتمون ويجمجمون للاعتذار عن المد الإسلامي ! والجهاد الإسلامي.
ويحسن أن نعرف حدود التكليف بإعداد القوة. فالنص يقول :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )..
فهي حدود الطاقة إلى أقصاها. بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها. كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة :
( ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم )..
فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض. الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ؛ ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم، أو لم يجهروا لهم بالعداوة، واللّه يعلم سرائرهم وحقائقهم. وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم. والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة ليكونوا مرهوبين في الأرض ؛ ولتكون كلمة اللّه هي العليا، وليكون الدين كله للّه.
ولما كان إعداد العدة يقتضي أموالا، وكان النظام الإسلامي كله يقوم على أساس التكافل، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله :
( وما تنفقوا من شيء - في سبيل الله - يوف إليكم وأنتم لا تظلمون )..
وهكذا يجرد الإسلام الجهاد والنفقة في سبيله، من كل غاية أرضية، ومن كل دافع شخصي ؛ ومن كل شعور قومي أو طبقي، ليتمحض خالصا للّه " في سبيل اللّه " لتحقيق كلمة اللّه، ابتغاء رضوان اللّه.
ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه - منذ الوهلة الاولى - كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول. وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق. وكل حرب تقوم للقهر والإذلال. وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن، أو قوم على قوم، أو جنس على جنس، أو طبقة على طبقة.. ويستبقي نوعاً واحداً من الحركة.. حركة الجهاد في سبيل الله.. والله - سبحانه - لا يريد تسويد جنس ولا وطن ولا قوم ولا طبقة ولا فرد ولا شعب. إنما يريد أن تسود ألوهيته وسلطانه وحاكميته. وهو غني عن العالمين. ولكن سيادة ألوهيته هي وحدها التي تكفل الخير والبركة والحرية والكرامة للعالمين.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير