وروى البخاري البيهقي عن أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إئذن لنا لابن أختنا عباس فداءه ؟ قال :" لا والله لا تذرن درهما " فاستشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما تقولون في هؤلاء الأسرى إن الله قد مكنكم منهم وإنما هم إخوانكم ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم هؤلاء بنو العم والعشيرة والأخوان استبقتم وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لما على الكفار وعسى أن يهديهم بك فيكونوا لك عضداء، فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" ما تقول يا ابن الخطاب ؟ قال : يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ما أرى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال : العباس وهو يسمع ما يقول : قطعت رحمك فدخل رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم البيت فقال : ناس : يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس : يأخذ بقول عمر وقال ناس : يأخذ بقول عمر وقال ناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال :" إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوبا حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا أبا بكر في الملائكة ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ١١٨ ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ومثلك في الأنبياء مثل موسى ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم لو اتفقتما ما خلفتكما أنتم عالة فلا يفلتن منهم احد إلا بفداء وبضرب عنق، فقال : عبد الله ابن مسعود يا رسول الله إلا سهل بن بيضاء فإنه سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فما رأيتني في يوم أخاف أن يقع على الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا سهل بن بيضاء، فلما كان الغد غدا عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله ما يبكيكما فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن كان يصبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب أليم ولو نزل العذاب ما افلت منه إلا ابن الخطاب لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه " ١ فأنزل الله تعالى : ما كان لنبي ان يكون قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وبالتاء الفوقانية والباقون بالياء التحتانية له أسرى كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو جعفر أسارى حتى يثخن في الأرض أي : يكثر القتل ويوهن الكفار ويذل الكفر من أثخنه المرض أثقله فالمفعول محذوف أي : يثخن الأسرى في الأرض قال : في القاموس أثخن فلانا أي : أي أوهنه وأثخن في العدو وأي : بالغ بالجراحة فيهم تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا حطامها بأخذ الفداء والله يريد لكم ثواب الآخرة بقتل المشركين ونصركم دين الله والله عزيز حكيم .
قال ابن عباس كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم نسخ الله تعالى هذا الحكم بقوله : فإما منا بعد وإما فداء ٢ فجعل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في
أمر الأسارى خيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وإن شاؤوا أفادوهم وإن شاؤوا أعتقوهم.
مسألة
أجمع العلماء على انه يجوز للإمام في الأسارى القتل كما يدل عليه هذه الآية وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببني قريظة، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صبرا النضر بن الحارث وطعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط، قال : في سبيل الرشاد : قال : عقبة بن أبي معيط يا محمد من للصبية قال : النار قتله ابن أبي الأفلح في قول ابن إسحاق وقال ابن هشام قتله علي بن أبي طالب.
مسألة
ويجوز استرقاق الأسارى أيضا إجماعا إن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام، ومن هاهنا قال : أبو حنيفة ليس لواحد من الغزاة ان يقتل أسيرا بنفسه لأن الرأي فيه إلى الإمام ولكن لا يضمن بقتله شيئا
مسألة
واختلف العلماء في المن على الأسارى يعني إطلاقهم إلى دار الحرب من غير شيء وفيه الفداء بالمال وفي الفداء بأسير مسلم وفي تركهم ذمة لنا ؟ فقال : مالك والشافعي واحمد والثوري وإسحاق وبه قال : الحسن وعطاء : يجوز المن والفداء بالمال وبالأسارى، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد الأوزاعي، وبه قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج لا يجوز المن أصلا وكذا الفداء بالمال لا يجوز على المشهور من مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وفي " السير الكبير " أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة. وكذا المفادة بالأسارى لا يجوز على رواية من أبي حنيفة وبه قال : صاحب القدوري والهداية، وأظهر الروايتين عنه ما قال : صاحباه : انه يجوز المفادة بالأسارى. وأما تركهم أحرارا في دار الإسلام ذمة لنا فأجازه أبو حنيفة ومالك محتجين بما فعل عمر بأهل العراق والشام، وقال الشافعي واحمد لا يجوز ذلك لأنهم ملكوا، وجه قول أبي حنيفة في عدم المن والفداء ان ردهم على دار الحرب إعانة للكفار فإنهم يعودون حربا علينا فلا يجوز بالمال ولا بالأسير المسلم لأن الأسير المسلم إذا بقي في أيديهم كان في حقه إبتلاء من الله تعالى غير مضاف إلينا، والإعانة بدفع أسيرهم مضاف إلينا ووجه قول الجمهور قوله تعال : فإما من بعد وإما فداء ٣ قال : أبو حنيفة هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فإما تتقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ٤ وقوله تعال : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ٥ وعند الجمهور قوله تعالى فإما من بعد وإما فداء ٦ غير منسوخ لما ذكرنا من قول ابن عباس انه لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم انزل الله تعالى فإما منا بعد الآية وقوله تعالى : فاقتلوا المشركين المراد غير الأسارى للإجماع على جواز استرقاقهم وقد قال : أبو حنيفة يجوز تركهم ذمة لنا.
اخرج مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين ٧، واخرج احمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن سلمة بن الأكوع قال : غزونا فزارة مع أبي بكر أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه، فانظر غلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت ان. . . يسبقوني غلى الحبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من آدم معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني ابنتها فقدمنا المدينة ما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السوق فقال :" يا سلمة هب لي المرأة " فقلت يا رسول الله قد أعجبتني وكشفت لها ثوبا فسكت حتى إذا كان الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السوق فقال :" يا سلمة هب المرأة لله أبوك " فقلت هي لك يا رسول الله ما كشفت لها ثوبا فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة ٨، وروى ابن إسحاق بسنده وأبو داود من طريقه إلى عائشة قالت : لما بعث أهل مكة فداء أساراهم بعث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بني عليها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك رق لها رقة وقال لأصحابه :" إن رأيتم أن تطلقوا لها أسرها وتردوا الذي لها فافعلوا " ٩ ففعلوا ورواه الحاكم وصححه وزاد وكان النبي صلى الله عليه آله وسلم قد أخذ عليها أن يخلي زينب إليه ففعل، وذكر ابن إسحاق أن ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطلب بن حنطب أسره أبو أيوب الأنصاري فخلى سبيله، وأبو غزة الجمحي كان محتاجا ذا بنات، فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن عليه وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا وامتدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبيات ثم قدم مع المشركين في أحد فأسر فقال : يا رسول الله أقلني فقال : عليه السلام :" لا تمسح عارضيك بمكة بعدها تقول خدعت محمد مرتين " ثم أمر بضرب عنقه، وذكر في سبيل الرشاد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزم بدر فداء الرجل أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف ومنهم من من عليه لأنه لا مال له وفي صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وآله وسلم في أسارى بدر " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له " ١٠ وعن أبي هريرة قال : بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيلا قبل يمامة فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه في سارية من سوار المسجد فخرج عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما عند يا ثمامة ؟ فقال : عندي خير يا محمد إن قتلتني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم علي شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فتركه، حتى كان الغد ثم قال له : ما عندك يا ثمامة فقال : عندي ما قلت لك، قال :" أطلقوا ثمامة " فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك. . . قد أصبح وجهك من أحب الوجوه إلي والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الأديان إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك أحب البلاد إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ماذا ترى فبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره ان يعتمر، فلما قدم مكة قال
له قائل : صبوت قال : لا ولكني أسلمت مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا والله ما تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ١١ والله علم.
٢ سورة محمد، الآية: ٤..
٣ سورة محمد، الآية: ٤..
٤ سورة الأنفال، الآية: ٥٧..
٥ سورة التوبة، الآية: ٥..
٦ سورة محمد، الآية: ٤..
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: السير، باب: ما جاء في قتل الأسارى والفداء (١٥٧١)..
٨ أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى (١٧٥٥).
٩ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فداء الأسير بالمال (٢٦٩٠)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: (٤٠٢٤)..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير باب: ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه (١٧٦٤)..
التفسير المظهري
المظهري