ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ( ٦٧ ) [ الأنفال : الآية ٦٨ ].
لما انهزم المشركون يوم بدر كان سعد بن معاذ ( رضي الله عنه ) قائما متوشحا سيفه على العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، رآه النبي صلى الله عليه وسلم ينظر كأنه ينظر إلى شيء يكرهه فقال : " كأنك تنظر إلى شيء تكرهه ! ! " قال : نعم، رأيتهم يأسرون الكفار ورغبتي أن يقتلوا ؛ لأن قتل الكفار أقوى للإسلام وأشد مناعة لشوكته، ويحصل به ضعف المشركين وانكسار شوكة الكفر، فقتلهم هنا أحب إلي ١.
ولما اجتمع الأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه، فجاءت روايات متعددة أن ممن أشار عليه أبو بكر وعمر وعبد الله بن رواحة، ومن أكثرها إشارة أبي بكر وعمر، وأن أبا بكر قال له : يا رسول الله، إنهم قومك وعشيرتك فلا تعجل عليهم وهم كفار، فاستبقهم وأمهلهم لعل الله أن يهديهم، وخذ من فدائهم ما يتقوى به المسلمون على الجهاد في سبيل الله. وقال له عمر : هؤلاء قوم كذبوك وأخرجوك وهم رؤساء الكفر فاقتلهم، فأعط عقيل بن أبي طالب لأخيه علي – وعقيل من الأسارى ذلك اليوم – يقتله، وادفع العباس لحمزة ليقتله، وأعطني فلانا – رجل كان بينه وبين عمر نسب – ليعلم الله أن لا هوادة بيننا وبين الكفار، فإن قتل رؤساء الكفر هو الذي يكسر شوكة الكفر ويذله، ويعز دين الإسلام ويعلي كلمة الله. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميل إلى ما قاله أبو بكر ( رضي الله عنه ). وذكروا في هذه الروايات أنه قال لأبي بكر : " قلت كما قال عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم " [ المائدة : الآية ١١٨ ]. وفي رواية أنه قال له : " قلت كما قال إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " [ إبراهيم : الآية ٣٦ ] وفي بعض الروايات قال لعمر : " قلت كما قال موسى : ربنا اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " [ يونس : الآية ٨٨ ] وفي بعضها أنه قال له : " قلت كما قال نوح : رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا " الآيات [ نوح : الآية ٢٦ ]. وفي بعض الروايات أن معهم عبد الله بن رواحة ( رضي الله عن الجميع )، وأنه قال له : أنت في واد كثير الحطب فأضرم عليهم النار ٢. وعلى كل حال فلما أخذوا الأسارى أخذهم الذين أسروهم أولا ولم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسرهم، وكانوا يرغبون في الفداء ليتقووا بالمال، فلما استقروا تحت أيديهم كان ذلك الرأي ليس مستبعدا عنده صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل فيه وحي، فبعد أن أخذوا الأسارى جاءهم هذا اللوم من الله، وهذا الأمر العظيم، وقرب العذاب منهم لولا الكتاب السابق. ولما كان من الغد جاء عمر ( رضي الله عنه ) ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان، فقال : ما يبكيكم، أخبراني بما يبكيكما ؟ فإن وجدت بكاء بكيت معكما، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرض علي عذاب أصحابك كهذه الشجرة – لشجرة قريبة منه ٣ صلى الله عليه وسلم – لأن الله قال لهم : لولا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( ٦٨ ) " [ الأنفال : الآية ٦٨ ] ثم إن الله بعد ذلك أحل لهم ذلك المغنم وطيبه لهم في قوله : فكلوا مما غنمتم حللا طيبا [ الأنفال : الآية ٦٩ ] ويدخل فيه فداء الأسارى.
ومعنى قوله : ما كان لنبي أن يكون له أسرى [ الأنفال : الآية ٦٨ ] أن يأسر الرجال ويستعين بالمال بفدائهم حتى يثخن في الأرض. الإثخان : معناه الإيجاع في الأرض قتلا، حتى يوجع في الأرض قتلا، ويقتل الصناديد الكفرة والرؤساء العظام التي تضعف بهم شوكة الكفر وأهله. والإثخان : أصل الإثخان شدة الإيجاع في الأرض بالقتل ٤. وقالوا : أثخنوهم أي : أوجعوا فيهم قتلا شديدا ذريعا، وأثخنه الجراحة : اشتدت عليه حتى أثبتته. وهذا الذي لامهم عليه هنا وبين لهم أنه ما كان هو الصواب، ولا هو الأولى أوضحه وشرحه في سورة القتال في قوله : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم [ محمد : الآية ٤ ] أي : أوجعتموهم قتلا، قتلا يضعف شوكة الكفر ويذل أهله، بعد ذلك فشدوا الوثاق وهو الأسر فإما منا وإما فداء لذا قال هنا : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يعني ما كان ينبغي لكم ولا يصح منكم أولا أن تلتزموا أول وقعة نصركم الله فيها بالأسرى تريدون المال، لا ينبغي هذا منكم، وما كان هو الأولى لكم، كان الأولى لكم قتلهم وحصدهم حتى يذل الكفر ويستكين أهله، وتقوى شوكة الإسلام ويعز أهله. وهذا معنى قوله : حتى يثخن في الأرض أي : يوجع فيها قتلا ؛ لأن ذلك القتل الوجيع هو الذي يذل الكفر ويكسر شوكته، ويعز الإسلام ويرفع كلمة الله ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : حتى يثخن في الأرض .
ثم لامهم لوما شديدا عظيما من الله قال : تريدون عرض الدنيا يعني : حطام الدنيا الزائل. فسماه عرضا لأنه عارض الوجود يعروه الزوال عن قريب، كما قدمنا في قوله : يأخذون عرض هذا الأدنى [ الأعراف : الآية ١٦٩ ] والله ( جل وعلا ) لا يريد عرض الدنيا بل يريد الآخرة، يريد لكم الآخرة بأن تقتلوا الكفرة، وتكسروا شوكة الكفر، وتذلوا أهله وأهلها، وتعزوا كلمة الله وتعلوا دين الله في أرضه، وهذه هي الآخرة التي يريدها لكم، وهذه الإرادة إرادة شرعية دينية، ولو كانت إرادة قدرية كونية لنفذت على كل حال ؛ لأن الله إذا أراد بإرادته الكونية القدرية شيئا لا بد أن ينفذ كائنا ما كان إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ٨٢ ) [ يس : الآية ٨٢ ] فهذه إرادته الشرعية الدينية لكم كان الأولى لكم شرعا ودينا أن تقتلوهم فتعلوا كلمة الله، وتذلوا كلمة الكفر، وهذا معنى قوله : حتى يثخن في الأرض . تريدون عرض الدنيا أي : حطامها الزائل ؛ لأنه عارض ينقضي ويزول والله يريد الأخرة أي : الدار الآخرة. ومن أعظم أسباب الخلود في جناتها إعلاء كلمة الله، وإذلال كلمة الكفر، وأكبر أسباب ذلك قتل الرؤساء قادة الكفار وسادتهم. وهذا معنى قوله : والله يريد الأخرة .
والله عليم حكيم قدمنا الكلام عليه قريبا.
٢ تقدم تخريجه عند تفسير الآية (١٢) من هذه السورة..
٣ مسلم في الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم. حديث رقم: (١٧٩٣) (٣/ ١٣٨٣)..
٤ انظر: القرطبي (٨/ ٤٨)، الدر المصون (٥/ ٦٣٧)..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير