ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ( ٧٠ ) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ( ٧١ ) .
هاتان الآيتان متمتان للكلام في أسرى بدر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترغيبهم في الإسلام ببيان ما فيه من خيري الدنيا والآخرة، وبتهديدهم وإنذارهم عاقبة بقائهم على الكفر وخيانته صلى الله عليه وسلم، ويتضمن ذلك البشارة بحسن العاقبة والظفر له ولمن اتبعه من المؤمنين.
وإن يريدوا خيانتك بما يظهر بعضهم من الميل إلى الإسلام، أو دعوى إبطال الإيمان، أو الرغبة عن قتال المسلمين من بعد وهذا مما اعتيد من البشر في مثل تلك الحال، فلا تخف ما عسى أن يكون من خيانتهم وعودتهم إلى القتال، فقد خانوا الله من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء، وبعد ذلك من الكفر بنعمه ثم برسوله، وقال بعض المفسرين إن خيانتهم لله تعالى هي ما كان من نقضهم لميثاقه الذي أخذه على البشر بما ركب فيهم من العقل وما أقامه على وحدانيته من الدلائل العقلية والكونية على الوجه الذي تقدم بيانه في آية أخذه تعالى الميثاق على بني آدم من سورة الأعراف فتراجع ( في ج ٩ تفسير ).
فأمكن منهم الإمكان من الشيء والتمكين منه واحد، أي فمكنك أنت وأصحابك منهم، بنصره إياك عليهم ببدر على التفاوت العظيم بين قوتك وقوتهم، وعدد أصحابك وعددهم، وكذلك يمكنك ممن يخونك من بعد، كما مكنك ممن خانه من قبل والله عليم حكيم أي عليم بما سيكون من أمرهم، حكيم في نصر المؤمنين وإظهارهم عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ويؤخذ من الآيتين ما يجب على المؤمنين من ترغيب الأسرى في الإيمان، وإنذارهم عاقبة خيانتهم إذا ثبتوا على الكفر والطغيان، وعادوا إلى البغي والعدوان، وفيه بشارة للمؤمنين باستمرار النصر وحسن العاقبة في كل قتال يقع بينهم وبين المشركين، ما داموا قوامين بأسباب النصر المادية والمعنوية، العلمية والعملية التي تقدم بيانها في هذه السورة. وقد ورد من التفسير المأثور في معنى الآيتين ما يحسن نشره لما فيه من إيضاح المعنى، وما كان من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة فداء الأسرى.
روى البخاري في مواضع من صحيحه عن أنس أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك فداء عمه العباس رضي الله عنه، وكان في أسرى المشركين يوم بدر، فقالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ( والله لا تذرون منه درهما )(١) وقد عنوا بقولهم ابن أختنا العباس جدته أم عبد المطلب فهي أنصارية من بني النجار، لا أم العباس نفسه فإنها ليست من الأنصار. وإنما وصفوه بكونه ابن أختهم ولم يصفوه بكونه عمه صلى الله عليه وسلم لئلا يكون في هذا الوصف رائحة منَّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن صلى الله عليه وسلم لهم في محاباته لأنه ابن عمه بل ساوى بينه وبين سائر الأسرى. بل ورد أنه أخذ منه أكثر مما أخذ من غيره، وأنه أمره بفداء ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث لغناه وفقرهما، وقيل الأول فقط، وقيل وحليفه عتبة بن ربيعة. وقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره بذلك قال : إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال صلى الله عليه وسلم ( الله أعلم بما تقول إن كان ما تقول حقا فإن الله يجزيك ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا ).
قال الحافظ ابن حجر بعد إيراد ما ذكر : وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم كان أربعين أوقية ذهبا، وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس كان فداء كل واحد أربعين أوقية فجعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين فقال له العباس : أللقرابة صنعت هذا ؟ قال فأنزل الله تعالى : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم الخ فقال العباس وددت لو كنت أخذ مني أضعافها لقوله تعالى : ويؤتكم خيرا مما أخذ منكم اهـ أي قال ذلك بعد إسلامه وما أعطاه صلى الله عليه وسلم من بعض الغنائم كما نص عليه في بعض الروايات.
وذكر الحافظ في الإصابة أن العباس حضر بيعة العقبة من الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرا مع المشركين مكرها، فأسر فافتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، فيقال إنه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد يوم حنين اهـ.
في تتمة خبر عائشة أن ابن العباس اعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمره بالفداء له ولابن أخيه ولحليفه عتبة بن ربيعة بأنه لا يجد، قال له صلى الله عليه وسلم ( فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت فإن هذا المال لبني ) فقال : والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها الخ.
وروى الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنه قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لها في فداء زوجها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال :( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ) هكذا في الدر المنثور وعزاه الحافظ في الإصابة إلى الواقدي بسند له عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة بأبسط مما هنا قليلا وفيه أنه كلم الناس فأطلقوه ورد عليها القلادة وأخذ على أبي العاص ( زوجها ) أن يخلي سبيلها ففعل اهـ وقد أسلم العاص بعد ذلك ورواية الواقدي ضعيفة وتصحيح الحاكم ينظر فيه.



ويؤخذ من الآيتين ما يجب على المؤمنين من ترغيب الأسرى في الإيمان، وإنذارهم عاقبة خيانتهم إذا ثبتوا على الكفر والطغيان، وعادوا إلى البغي والعدوان، وفيه بشارة للمؤمنين باستمرار النصر وحسن العاقبة في كل قتال يقع بينهم وبين المشركين، ما داموا قوامين بأسباب النصر المادية والمعنوية، العلمية والعملية التي تقدم بيانها في هذه السورة. وقد ورد من التفسير المأثور في معنى الآيتين ما يحسن نشره لما فيه من إيضاح المعنى، وما كان من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة فداء الأسرى.
روى البخاري في مواضع من صحيحه عن أنس أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترك فداء عمه العباس رضي الله عنه، وكان في أسرى المشركين يوم بدر، فقالوا : ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ( والله لا تذرون منه درهما )(١) وقد عنوا بقولهم ابن أختنا العباس جدته أم عبد المطلب فهي أنصارية من بني النجار، لا أم العباس نفسه فإنها ليست من الأنصار. وإنما وصفوه بكونه ابن أختهم ولم يصفوه بكونه عمه صلى الله عليه وسلم لئلا يكون في هذا الوصف رائحة منَّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن صلى الله عليه وسلم لهم في محاباته لأنه ابن عمه بل ساوى بينه وبين سائر الأسرى. بل ورد أنه أخذ منه أكثر مما أخذ من غيره، وأنه أمره بفداء ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث لغناه وفقرهما، وقيل الأول فقط، وقيل وحليفه عتبة بن ربيعة. وقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره بذلك قال : إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال صلى الله عليه وسلم ( الله أعلم بما تقول إن كان ما تقول حقا فإن الله يجزيك ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا ).
قال الحافظ ابن حجر بعد إيراد ما ذكر : وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم كان أربعين أوقية ذهبا، وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس كان فداء كل واحد أربعين أوقية فجعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين فقال له العباس : أللقرابة صنعت هذا ؟ قال فأنزل الله تعالى : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم الخ فقال العباس وددت لو كنت أخذ مني أضعافها لقوله تعالى : ويؤتكم خيرا مما أخذ منكم اهـ أي قال ذلك بعد إسلامه وما أعطاه صلى الله عليه وسلم من بعض الغنائم كما نص عليه في بعض الروايات.
وذكر الحافظ في الإصابة أن العباس حضر بيعة العقبة من الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرا مع المشركين مكرها، فأسر فافتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، فيقال إنه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد يوم حنين اهـ.
في تتمة خبر عائشة أن ابن العباس اعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمره بالفداء له ولابن أخيه ولحليفه عتبة بن ربيعة بأنه لا يجد، قال له صلى الله عليه وسلم ( فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت فإن هذا المال لبني ) فقال : والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها الخ.
وروى الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنه قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لها في فداء زوجها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال :( إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ) هكذا في الدر المنثور وعزاه الحافظ في الإصابة إلى الواقدي بسند له عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة بأبسط مما هنا قليلا وفيه أنه كلم الناس فأطلقوه ورد عليها القلادة وأخذ على أبي العاص ( زوجها ) أن يخلي سبيلها ففعل اهـ وقد أسلم العاص بعد ذلك ورواية الواقدي ضعيفة وتصحيح الحاكم ينظر فيه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير