ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

وقد روى ابن سعد في طبقاته أن النبي ﷺ منّ على بعض الأسرى الذين لم يكن لهم مال يفتدون به أنفسهم مقابل تعليم الواحد منهم الكتابة لعشرة من المسلمين. وكان ممن تعلّم بهذه الوسيلة زيد بن ثابت رضي الله عنه «١». وهناك حديث يرويه الإمام أحمد عن ابن عباس قال «كان ناس يوم بدر ولم يكن لهم فداء فجعل رسول الله فداءهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة فجاء غلام يبكي إلى أبيه فقال ما شأنك قال ضربني معلّمي، قال الخبيث يطلب بذحل بدر، والله لا تأتيه أبدا» «٢».
هذا، ونقول في صدد جملة تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إن إرادة عرض الدنيا مما نسب إلى الكفار في مواضع كثيرة من القرآن بحيث ينبغي صرفه بالنسبة إلى النبي ﷺ وأصحابه الأبرار إلى مفهوم آخر.
ويتبادر لنا أن الجملة بقصد تقرير كون النداء هو عرض دنيوي في حين أن الله إنما يريد للمسلمين العواقب الحسنة والتنزه التام عن أعراض الدنيا حينما يكون الظرف ظرف جهاد في سبيل الله وتوطيد هيبة المسلمين ورهبتهم في قلوب أعدائهم.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
. في هاتين الآيتين أمر للنبي بمخاطبة الأسرى وتبشيرهم وإنذارهم: فإذا حسنت نياتهم وطهرت قلوبهم فالله معوضهم خيرا مما أخذ منهم من الفداء وغافر لهم ما أسلفوه وهو الغفور الرحيم. أما إذا أضمروا الخيانة لعهد النبي فليذكروا أنهم خانوا الله من قبل بوقوفهم موقف الكفر والأذى فمكّن الله المسلمين منهم فنكلوا بهم، وهو العليم بكل شيء الحكيم الذي يأمر بما فيه الصواب والحكمة.

(١) طبقات ابن سعد ج ٢ ص ٦٢.
(٢) نيل الأوطار ج ٨ ص ١٤٤ والذحل بمعنى الثأر. [.....]

صفحة رقم 94

تعليق على الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ والآية التالية لها
وقد روى المفسرون «١» أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه كان يقول:
إن هذه الآية نزلت فيّ حين ذكرت لرسول الله ﷺ إسلامي وقد أعطاني الله خيرا مما أخذ مني مائة ضعف وأبدلني بالعشرين أوقية من الذهب عشرين عبدا كلهم تاجر، مالي في يديه. وفي رواية أخرى أربعين عبدا بدل العشرين. وإنه كان يقول ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي الدنيا، فقد قال الله نؤتكم خيرا مما أخذ منكم. وقد أعطاني مائة ضعف ما أخذ مني. وقال يغفر لكم وأرجو أن يكون قد غفر لي. ورووا مع هذه الرواية رواية أخرى عن ابن عباس جاء فيها أن الأسرى بما فيهم العباس قالوا للنبي ﷺ آمنّا بما جئت ونشهد أنك رسول الله ولننصحن بذلك قومنا. والروايات لم ترد في الصحاح ويلحظ إلى هذا أن فحوى الآيتين يفيد أن المخاطبين أكثر من واحد أو بالأحرى جميع الأسرى. وأن الآية الثانية منهما احتوت تحذيرا من الخيانة وإنذارا قويا، وهذا لم يكن متوقعا من العباس بحيث يسوغ التوقف في الروايات وبكون الآيات نزلت في العباس. ونستبعد كذلك ما ذكرته الرواية الثانية من أن الأسرى أسلموا لأن روايات السيرة والمفسرين والمؤرخين متفقة على أن معظم الأسرى قد افتداهم أهلهم واستردوهم ولا بد أن يكون ذلك لو أنهم أسلموا حتى زوج بنت رسول الله فإنه لم يسلم ومنّ رسول الله عليه بتحبيذ من أصحابه حينما بعثت زوجته بعقدها لتفتديه على ما ذكرناه قبل قليل.
وعلى كل حال ففي الآيتين إيعاز رباني بما ينبغي أن يتصرف به النبي ﷺ تجاه الأسرى بعد أن أخذ الفداء من بعضهم ومنّ على بعضهم. ومن الجائز أن يكون النبي بهذا الإيعاز أخذ منهم عهدا بالمسالمة والكفّ، ولعلّه أخذ من بعضهم

(١) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي والخازن وابن كثير.

صفحة رقم 95

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية