ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

ويجوز " يفعل " مكان " نعل "؛ كقوله: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ)، أي: قال المنافقون، وذلك كثير في القرآن؛ فعلى ذلك قوله: (يُؤْتِكُمْ خَيْرًا).
ويحتمل قوله: (يُؤْتِكُمْ) أيضًا، أي: يثيبكم ويعطيكم أفضل مما أخذ منكم في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ) لما كان في الشرك؛ كقوله: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ)، للذنوب، وذو تجاوز، (رَحِيمٌ) يرحم في الإسلام.
ويحتمل قوله: (يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) من الفداء، أو ما أخذ منهم بمكة؛ أخبر أنه يؤتهم خيرًا من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها.
والإثخان: قال ابن عَبَّاسٍ: القتل.
قال أبو معاذ: (يثخنون)، أي: يذلون، المثخن: الذليل.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي: يثخن في أهل الأرض، يكثر القتلى والجراحات؛ يقال: أثخنت في القوم: إذا أكثرت فيهم القتل والجراحات، ويقال: ضربه حتى أثخنه، أي: ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر مُحَمَّد في بعض مسائله: أنه إذا رمى صيدا بسهم فأصابه حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه - فإنه للأول؛ لما أنه صيره بالإثخان خارجًا من أن يكون صيدًا، وهو الضرب الذي وصفناه.
وثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، وثخن يثخن ثخونة واحد، أي: غلظ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو قوله: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ...) الآية، وقوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ...) الآية، وغير ذلك (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً) ونحوه، فقال: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ): في نقض العهد وغير ذلك من الأمانات، (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ

صفحة رقم 267

مِنْ قَبْلُ) يحتمل قوله: فقد خانوا اللَّه من قبل، فيما عاهدوا أن يوفوا ذلك كقولهم: (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، فقد أنجاهم اللَّه عن ذلك فلم يكونوا من الشاكرين، وكقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)، فقد آتاهم اللَّه ذلك فلم يفوا ما عاهدوا، وغير ذلك من العهود التي عاهدوا، والأمانات التي اؤتمنوا فيها، فخانوا اللَّه في ذلك.
أو ما عهد إليهم في أمر مُحَمَّد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا اللَّه من قبل، فأمكن اللَّه منهم، فإذا خانوك يمكنك اللَّه منهم أيضًا.
وقوله: (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أمكن منهم، أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمكنك حتى انتقصت منهم.
وقوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ) ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا اللَّه من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ): بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، (حَكِيمٌ): في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) أي: خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك.
(فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) أي: فقد كفروا باللَّه قبل هذا؛ يقول: إن خانوك أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم؛ كما فعلت بهم ببدر.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ): بخلقه، (حَكِيمٌ): في أمره.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ

صفحة رقم 268

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية