وَإِذا الموءودة سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت الموءودة: هِيَ الْوَلَد، كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يقتلونه، وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا ولد لَهُ ابْن تَركه، وَإِذا ولد لَهُ بنت دَفنهَا حَيَّة.
وَذكر بَعضهم.
أَن الْمَرْأَة كَانَت إِذا أَخذهَا الْمَخَاض حُفْرَة حفيرة، وَجَلَست عَلَيْهَا فَإِن ولدت ابْنا حَبسته، وَإِن ولدت بِنْتا ألقتها فِي الحفيرة، وَقد كَانَ بَعضهم يتْرك الْجَارِيَة حَتَّى تصير شَدِيدَة، ثمَّ يَقُول لأمها: طيبيها زينيها، وَقد حفر بِئْرا فِي الصَّحرَاء، ويحملها مَعَ نَفسه، ويأمرها أَن تطلع فِي الْبِئْر، ثمَّ يَدْفَعهَا من خلفهَا فِي الْبِئْر، ويهيل التُّرَاب، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك إِمَّا خشيَة الإملاق، أَو [دفعا] للعار وأنفة عَن أنفسهم.
وَقَوله: سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت هُوَ سُؤال توبيخ للوائد؛ لِأَن من جَوَاب هَذَا السُّؤَال أَن يَقُول: قتلت بِغَيْر ذَنْب.
وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَجَمَاعَة: " وَإِذا الموءودة سَأَلت بِأَيّ ذَنْب قتلت " وَالْمعْنَى مَعْلُوم.
وَذكر بَعضهم فِي تَفْسِيره: أَنَّهَا تَأتي متلطخة بالدماء، وتتعلق بثدي أمهَا وَتقول: يَا رب، هَذِه أُمِّي وَقد قتلتني.
واعم أَنه ورد كثير من الْأَخْبَار فِي أَن أَوْلَاد الْمُشْركين خدم أهل الْجنَّة.
وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول: من قَالَ الموءودة فِي النَّار فقد كذب، وتلا هَذِه الْآيَة.
وَعَن النَّبِي أَنه قَالَ: " سَأَلت رَبِّي عَن اللاهين من ذُرِّيَّة الْبشر فأعطانيهم ".
وَعنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " أَنه سُئِلَ عَن أَطْفَال الْمُشْركين؟ فَقَالَ: هم خدم أهل الْجنَّة.
وَقد وَردت أَخْبَار أخر أَن أَوْلَاد الْمُشْركين فِي النَّار، وَقد ذكرنَا بعض ذَلِك فِيمَا سبق، وَعنهُ أَنه قَالَ لعَائِشَة: " لَو شِئْت أسمعتك تضاغيهم فِي النَّار "، وَعنهُ عَلَيْهِ - الصَّلَاة وَالسَّلَام - أَنه قَالَ: " الوائدة والموءودة فِي النَّار "، وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي سُئِلَ عَن أَطْفَال الْمُشْركين؟ فَقَالَ: " الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين ".
فَالْأولى أَن يتَوَقَّف، ويوكل علم ذَلِك إِلَى الله تَعَالَى، وهم على مَشِيئَته يفعل بهم مَا يَشَاء.
وَاعْلَم أَنه قد كَانَ فِي الْعَرَب من يحيي الْأَطْفَال الموءودة، وَذَلِكَ بِأَنَّهُم (يفرون) من آبَائِهِم.
وَقَالَ الفرزدق يفتخر:
| (وَمنا الَّذِي منع لوائدات | فأحيا الوئيد فَلم يوأد) |
وَإِذا الصُّحُف نشرت (١٠) وَإِذا السَّمَاء كشطت (١١) وَإِذا الْجَحِيم سعرت (١٢) وَإِذا الْجنَّة أزلفت (١٣) علمت نفس مَا أحضرت (١٤) فَلَا أقسم.
صفحة رقم 168تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم