المعنى الجملي : بدأ سبحانه هذه السورة الكريمة بذكر يوم القيامة، وما يكون فيه من حوادث عظام، ليفخم شأنه، وبين أنه حين تقع هذه الأحداث تعلم كل نفس ما قدمت من عمل خير أو شر، ووجدت ذلك أمامها مائلا، ورأت ما أعد لها من جزاء وتمنت إن كانت من أهل الخير أن لو كانت زادت منه، وإن كانت من أهل الشر أن لو لم تكن فعلته، واستبان لها أن الوعيد الذي جاء على ألسنة الرسل كان وعيدا صادقا، لا تهويل فيه ولا تضليل.
شرح المفردات : الموءودة : هي التي دفنت وهي صغيرة، وقد كان ذلك عادة فاشية فيهم في الجاهلية، وكان ذوو الشرف منهم يمنعون من هذا حتى افتخر بذلك الفرزدق فقال :
ومنا الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم تؤد
يريد جده صعصعة، وكان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة.
وإذا الموءودة سئلت* بأي ذنب قتلت أي وإذا سئلت الموءودة بين يدي وائدها عن السبب الذي لأجله قتلت، ليكون جوابها أشد وقعا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته.
وقد افتن العرب في الوأد، فمنهم من كان إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها، أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي، ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى إبله، وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء حتى إذا بلغها قال لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تسوى البئر بالأرض، ومنهم من كان يفعل ما هو أنكى وأقسى من ذلك.
فيالله، ما أعظم هذه القسوة بقتل البريئات بغير جرم سوى خوف الفقر أو العار، وكيف استبدلت الرحمة بالفظاظة، والرأفة بالغلظة، بعد أن خالط الإسلام قلوبهم، ومحا وصمة هذا الخزي عنهم.
تفسير المراغي
المراغي