(٨١) سورة التّكوير مكيّة وآياتها تسع وعشرون
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
اللغة:
(كُوِّرَتْ) لفّت وذهب بضوئها وفي المصباح: «كار الرجل العمامة كورا من باب قال أدارها على رأسه وكل دور كور تسميته بالمصدر والجمع أكوار مثل ثوب وأثواب، وكوّرها بالتشديد مبالغة ومنه يقال صفحة رقم 388
كورت الشيء إذا لففته على وجه الاستدارة وقوله تعالى: إذا الشمس كوّرت المراد به طويت كطي السجل» وعبارة الزمخشري: «في التكوير وجهان: أن يكون من كورت العمامة إذا لففتها أي يلف ضوءها لفّا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف أو يكون لفّها عبارة عن رفعها وسترها لأن الثوب إذا أريد رفعه لفّ وطوي ونحوه قوله: يوم نطوي السماء، وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره إذا ألقاه أي تلقى وتطرح عن فلكها كما وصفت النجوم بالانكدار» ويتلخص مما أوردته معاجم اللغة ما يلي: «كار يكور كورا العمامة على رأس لفّها وأدارها وكور الله الليل على النهار: أدخل هذا في هذا وكورت الشمس جمع ضوءها ولفّ كما تلف العمامة قيل: اضمحلت وذهبت».
(انْكَدَرَتْ) انقضت وتساقطت على الأرض والأصل في الانكدار الانصباب، وقال أبو عبيدة: انكدرت انصبّت كما تنصبّ العقاب إذا كسرت، قال العجاج يصف صقرا:
| أبصر حرمات فلاة فانكدر | تقصي البازي إذا البازي كسر |
(سُجِّرَتْ) سجر يسجر سجرا من باب نصر التنور ملأه وقودا وأحماه وسجر الماء النهر ملأه وسجر البحر فاض وسجر الماء في حلقه صبّه وسجر الكلب شدّه بالساجور وسجر الشيء أرسله، هذا ما ذكرته صفحة رقم 389
معاجم اللغة بصدد هذه المادة وفي الأساس: «كلب مسجور ومسجّر ومسوجر وقد سجرته وسجّرته وسوجرته: طوقته الساجور وهو طوق من حديد مسمّر بمسامير حديدة الأطراف، وبحر مسجور ومسجّر، وعين مسجورة ومسجّرة: مفعمة وسجر السيل الآبار والأحساء ومررنا بكل حاجر وساجر وهو كل مكان مرّ به السيل فملأه وسجر التنور ملأه سجورا وهو وقوده وسجره بالمسجرة وهي المسعر. ومن المجاز:
سجرت الناقة سجرا وسجّرت تسجيرا: مدّت حنينتها في إثر ولدها وملأت به فاها قال:
حنّت إلى برك فقلت لها: قرّي... بعض الحنين فإن سجرك شائقي
ومنه ساجرته مساجرة وهي المخالّة والمخالطة وهو سجيري وهم سجرائي لأن كل واحد منهما يسجر إلى صاحبه: يحنّ ومنه ماء أسجر وهو الذي خالطته كدرة وحمرة من ماء السماء يقال: إن فيه لسجرة وإنه لأسجر وقطرة سجراء وعين سجراء قال الحويدرة:
بغريض سارية أدرّته الصبا... من ماء أسجر أطيب المستنقع
وعين سجراء: خالطت بياضها حمرة وإن في عينك لسجرة وفي أعناقهم السواجير أي الأغلال» وقد مرّ شيء من معنى هذه المادة في الطور وعلى هذا كثرت الأقوال في المراد بها هنا وقد أحصى القرطبي كعادته الأقوال فيه ونشير إليها بإيجاز:
١- وإذا البحار سجرت: أي ملئت من الماء فيفيض بعضها إلى بعض فتصير شيئا واحدا.
٢- وقيل أرسل عذبها على مالحها حتى امتلأت.
٣- وقيل صارت بحرا واحدا.
٤- وقيل يبست فلا يبقى من مائها قطرة.
٥- وقيل أوقدت فصارت نارا.
٦- وقيل: هي حمرة مائها حتى تصير كأنها الدم.
(الْمَوْؤُدَةُ) قال في الأساس: وأد ابنته أثقلها بالتراب «وإذا الموءودة سئلت» وقال الفرزدق:
| وجدي الذي منع الوائدات | وأحيا الوئيد فلم يوأد» |
الإعراب:
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجوابها في الإثني عشر موضعا التي وقعت فيها قوله: علمت نفس كما سيأتي وهي متعلقة بجوابها والشمس نائب فاعل بفعل مقدّر يفسره ما صفحة رقم 391
بعده وإلى هذا جنح الزمخشري ومنع أن يرتفع بالابتداء لأن إذا تتقاضى الفعل لما فيها من معنى الشرط ولكن ما منعه الزمخشري من وقوع المبتدأ بعدها أجازه الكوفيون والأخفش من البصريين وجملة كورت مفسرة لا محل لها (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) عطف على ما تقدم مماثلة لها في الإعراب ولكن النجوم هنا فاعل بفعل يفسّره قوله «انكدرت» (وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ) عطف أيضا والجبال والعشار نائبا فاعل بفعل محذوف ومعنى تعطيلها تركها بلا راع ولا حلب لما دهاهم من الأمر (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) عطف أيضا (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) عطف أيضا والمعنى ردّت الأرواح إلى أجسادها وهذا بناء على أن التزويج بمعنى جعل الشيء زوجا والنفوس على هذا بمعنى الأرواح، وقيل: يقرن كل امرئ بشيعته وكل مشاكل بمشاكله فيقرن بين الرجل الصالح والرجل الصالح في الجنة (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) عطف أيضا وبأي متعلقان بقتلت والجملة سدّت مسدّ مفعول سئلت الثاني وكان العرب إذا ولد لأحدهم بنت واستحياها ألبسها جبّة من صوف أو شعر وتركها ترعى الإبل والغنم وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال لأمها: طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر حفرة أو بئرا في الصحراء فيذهب بها إليها ويقول لها: انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقد افتخر الفرزدق وهو أبو فراس همّام بن غالب بن صعصعة بجدّه صعصعة إذ كان منع وأد البنات كما تقدم (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) عطف على ما تقدم أيضا (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب إذا كما تقدم وعلمت نفس فعل ماض وفاعل وما مفعول به وجملة أحضرت لا محل لها لأنها صلة ما.
صفحة رقم 392إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش