سورة التوبة أو براءة
هي السورة التاسعة
وآياتها ١٢٩ عند الكوفيين و١٣٠ عند الجمهور
هي مدنية بالاتفاق، قيل إلا قوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى [ الأنفال : ١١٣ ] الآية لما روي في الحديث المتفق عليه من نزولها في النهي عن استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب كما سيأتي تفصيله في تفسيرها. ويجاب عنه بجواز أن يكون نزولها تأخر عن ذلك، وبما يقوله العلماء في مثل هذا المقام من جواز نزول الآية مرتين : مرة منفردة ومرة في أثناء السورة.
واستثنى ابن الفرس قوله تعالى : لقد جاءكم رسول إلى آخر الآيتين في آخرها فزعم أنهما مكيتان، ويرده ما رواه الحاكم وأبو الشيخ في تفسيره عن ابن عباس من أن هاتين الآيتين آخر ما نزل من القرآن، وقول الكثيرين إنها نزلت تامة. وما يعارض هذا مما ورد في أسباب نزول بعض الآيات يجاب عنه بأن أكثر ما روي في أسباب النزول كان يراد به أن الآية نزلت في حكم كذا، أعني أن الرواة كانوا يذكرونها كثيرا في مقام الاستدلال، وهذا لا يدل على نزولها وحدها، ولا على كون النزول كان عند حدوث ما استدل بها عليه كما قلنا آنفا في احتمال نزول آية استنكار الاستغفار للمشركين في المدينة، وإن كان ما ذكروه من سببها حدث بمكة قبل الهجرة.
ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها ؛ لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور. هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل رعاية لمن كان يقول إنها مع الأنفال سورة واحدة، والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود، وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر، وقد يقال : إنه حكمة لا علة، ومما قاله بعض العلماء في هذه الحكمة : إنها تدل على أن البسملة آية من كل سورة أي ؛ لأن الاستثناء بالفعل كالاستثناء بالقول معيار العموم.
وقد ورد لها أسماء كثيرة هي صفات لأهم ما اشتملت عليه : فمنها سورة الفاضحة لما فضحته من سرائر المنافقين وإنبائهم بما في قلوبهم من الكفر وسوء النيات، وهذا الاسم روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومنها المنفرة والمعبرة والمبعثرة والمثيرة والبحوث ( كصبور ) لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبحث ذلك وإثارته وبعثرته، وكذا المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة، ومعاني هذه الألقاب ظاهرة في معنى فضيحتها للمنافق، وما يترتب عليها من الدمدمة عليهم والخزي والنكال والتشريد بهم، ومنها المقشقشة، قال الزمخشري : وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه. وأشهرها الثابت التوبة وبراءة، وسائر الأسماء ألقاب لبيان معانيها. وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم، وفي حال الاستعداد لها في زمن العسرة والخروج إليها في القيظ، وفي أثنائها ظهر من آيات نفاق المنافقين ما كان خفيا من قبل.
وقد صرحوا بأن أولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبي صلوات الله وسلامه عليه عليا عليه السلام ليقرأها على المشركين في الموسم كما يذكر مفصلا في محله.
وفي صحيح البخاري وغيره عن البراء قال : آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة١. وهو رأي له، لا رواية مرفوعة، ويحمل قوله في الآية على أنها آخر ما نزل في الكلالة، فهي بعد آيات المواريث وفي السورة على بعضها أو معظمها. وأرجح ما ورد في آخر آية نزلت أنه قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله [ البقرة : ٢٨١ ]، أو ما قبلها من آيات الربا من دونها، والأرجح أن يقال معها. وتقدم تفصيل المسألة في آخر سورة البقرة ( ج ٣ )، وأما آخر سورة نزلت تامة فالأرجح أنه سورة النصر، وقد عاش صلى الله عليه وسلم بعدها أياما قليلة.
وأما التناسب بينها وبين ما قبلها فإنه أظهر من التناسب بين سائر السور بعضها مع بعض، فهي كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما فيهما من أصول الدين وفروعه والسنن الإلهية والتشريع وجله في أحكام القتال وما يتعلق به من الاستعداد له وأسباب النصر فيه وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية وأحكام المعاهدات والمواثيق- من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي له - وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض والكافرين بعضهم مع بعض، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى والقلوب، فما بدئ به في الأول أتم في الثانية. ولولا أن أمر القرآن في سوره ومقاديرها موقوف على النص لكان هذا الذي ذكرناه مؤيدا من جهة المعاني لمن قال : إنهما سورة واحدة، كما يؤيده من ناحية ترتيب السور بحسب طولها وقصرها، وتوالي السبع الطول منها، ويليها المئون، والأنفال دونها.
مثال ذلك :
١ إن العهود ذكرت في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، ولا سيما نبذها الذي قيد في الأول بخوف خيانة الأعداء.
٢ تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب في كل منهما.
٣ ذكر في الأولى صد المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه إن أولياؤه إلا المتقون [ الأنفال : ٣٤ ] أي من المؤمنين، وجاء في الثانية ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [ الأنفال : ١٧ ] الخ الآيات.
٤ ذكر في أول الأولى صفات المؤمنين الكاملين، وذكر بعد ذلك بعض صفات الكافرين، ثم ذكر في آخرها حكم الولاية بين كل من الفريقين كما تقدم، وجاء في الثانية مثل هذا في مواضع أيضا.
٥ ذكر في الأولى الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء مثل هذا الترغيب بأبلغ من ذلك وأوسع في الثانية، وذكرت في الأولى مصارف الغنائم من هذه الأموال، وفي الثانية مصارف الصدقات.
٦ ورد ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض في الأولى في آية واحدة، وفصل في الثانية أوسع تفصيل حتى كانت أجدر بأن تسمى سورة المنافقين من سورة إذا جاءك المنافقون لو كانت تسمية السور بالرأي.
ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ مما يدخل في عموم تأسيكم به على إطلاقه، فإنه ما كان وما وقع لسبب ولا علة إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إِيَّاهُ في حياته إذ كان يرجوا إيمانه فقال له : لأستغفرن لك وما أملك من الله من شيء [ الممتحنة : ٤ ]، أي لا أملك لك هداية ولا نجاة، وإنما أملك دعاء الله تعالى. وقد وفى بوعده وما كان إلا وفيا كما شهد له تعالى بقوله : وإبراهيم الذي وفى [ النجم : ٣٧ ]، فكان من دعائه واغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ولَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ ولَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء : ٨٦ ٨٩ ]، أي من الشرك والكفر والشك المقتضي للنفاق، فمن استغفر لحي يرجو إيمانه بقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة فلا بأس.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قال ابن عباس : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو الله فتبرأ منه. وفي رواية عنه : فلما تبين له أنه عدو الله يقول : لما مات على كفره. وقال قتادة : تبين له حين مات، وعلم أن التوبة انقطعت عنه. وقيل : إنه تبين له ذلك بوحي من الله تعالى، فحينئذ تبرأ منه ومن قرابته، وترك الاستغفار له كما هو مقتضى الإيمان لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ [ المجادلة : ٢٢ ] الآية.
ورد أن إبراهيم يعد من الخزي له يوم القيامة أن يكون أبوه في النار، كما رواه البخاري من حديث رؤيته في النار، وأنه يقول :" يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد "، فيمسخ الله أباه ذيخا وهو ذكر الضباع الكثير الشعر حتى لا يخزى إبراهيم ابنه برؤيته في النار على صورته المعروفة له ولقومه. وقد تقدم لفظ الحديث في قصة إبراهيم مع أبيه من تفسير سورة الأنعام ( ج ٧ ).
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأواهٌ حَلِيمٌ هذه الجملة المؤكدة بوصف إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالمبالغة في خشية الله والخشوع له، وبالحلم والثبات في أموره كلها، تعليل لامتناعه عن الاستغفار لأبيه بعد العلم برسوخه في الشرك وعداوة الله عزّ وجلّ. الأواه الكثير التأوه والتحسر، وإنما يتأوه إبراهيم من خشية الله، ويتحسر على المشركين من قومه ولاسيما أبيه، ويطلق الأواه على الخاشع الكثير الدعاء والتضرع، وأصل التأوه قول " أوّه " ( بالكسر منونا وغير منون ) أو واه، أو أوه. وفي حديث مرفوع في التفسير المأثور :" الأواه الخاشع المتضرع "، وعن ابن عباس فيه روايات : منها أنه المؤمن أو الموقن بلسان الحبشة، ١ والحليم الذي لا يستفزه الغضب ولا يعبث به الطيش، لا يستخفه الجهل أو هوى النفس، ومن لوازمه الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور، واتقاء العجلة في كل من الرغب والرهب، وذهب الزمخشري إلى أن الجملة تعليل لما كان من استغفاره لأبيه، قال بعد تفسير الأواه بالذي يكثر التأوه : ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته وحمله كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه وقوله ( لأرجمنك ) اه.
تفسير المنار
رشيد رضا