ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

هذه أوصاف المؤمنين الكلمة، ذكرها الله، ليتسابق المؤمنون في الاتصاف بها.
٨- الحافظون لحدود الله تشمل جميع التكاليف الشرعية، سواء ما يتعلق منها بالعبادات أو بالمعاملات. وأما تفصيل الصفات التسع قبلها، فلأنها أمور تلازم المكلف غالبا.
٩- قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ للتنبيه على أن البشارة المذكورة لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات.
الاستغفار للمشركين وشرط المؤاخذة (العقاب) على الذنوب
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٦]
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦)
البلاغة:
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ بينهما طباق. وكذلك بين يُحْيِي وَيُمِيتُ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا يطلبوا المغفرة. أُولِي قُرْبى ذوي قرابة. أَصْحابُ الْجَحِيمِ النار، بأن ماتوا على الكفر. مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم ١٩/ ٤٧] رجاء أن يسلم. أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ بموته على الكفر. تَبَرَّأَ مِنْهُ وترك الاستغفار

صفحة رقم 57

له. لَأَوَّاهٌ كثير التضرع والتأوه والدعاء. حَلِيمٌ صبور على الأذى لا يغضب. والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع معاداته له لِيُضِلَّ قَوْماً ليسميهم ضلالا أو يؤاخذهم.
بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للإسلام. ما يَتَّقُونَ من العمل أي يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، فإذا لم يتقوه استحقوا الإضلال. عَلِيمٌ يعلم كل شيء، ومنه مستحق الإضلال والهداية.
مِنْ دُونِ اللَّهِ من غيره. مِنْ وَلِيٍّ يحفظكم منه. وَلا نَصِيرٍ يمنعكم من ضرره.
سبب النزول:
أخرج أحمد والشيخان وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم: قل:
لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى آخر شيء كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية. وأنزل في أبي طالب: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الآية [القصص ٢٨/ ٥٦].
وظاهر هذا أن الآية نزلت بمكة ولأن أبا طالب مات بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. ونظرا لأن هذه السورة مدنية، فقد استبعد بعض العلماء أن تكون نزلت في أبي طالب.
وأخرج الترمذي وحسنه الحاكم عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك، وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال: خرج

صفحة رقم 58

رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى فبكيت لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل الله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وأخرج أحمد وابن مردويه، واللفظ له، من حديث بريدة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلّم، إذ وقف على عسفان، فأبصر قبر أمه، فتوضأ وصلى وبكى، ثم قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فأنزل الله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكّركم الموت».
دلت الروايات على أن سبب النزول أبو طالب أو أم النبي، أو رجل مسلم يستغفر لأبويه.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون لنزول الآية أسباب: متقدم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، وقصة علي وجميع غيره بتعدد النزول.
المناسبة:
كان موضوع سورة التوبة من أولها إلى هنا إعلان البراءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال، ثم بيّن هنا أنه تجب البراءة أيضا من أمواتهم، وإن كانوا أقرب الناس إلى الإنسان كالأب والأم، كما وجبت البراءة من أحيائهم.
والمقصود بيان وجوب مقاطعتهم في الحالات كلها.

صفحة رقم 59

التفسير والبيان:
ما ينبغي للنبي والمؤمنين، وليس من شأنهم أن يستغفروا أو يدعو الله بالمغفرة للمشركين، أو معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي «١» لأن النبوة والإيمان مانعان من الاستغفار للمشركين، ولا تستغفروا، والمعنيان متقاربان، وسبب المنع قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة ٩/ ١١٣] وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء ٤/ ١١٦].
والمنع حتى ولو كانوا من أقرب المقربين، قياما بحق البر والصلة والشفقة عليهم.
من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار، بأن ماتوا على الكفر، أي أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار، وهذه العلة لا تفرّق بين الأقارب والأباعد. قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان، وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر، فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ...
أما استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه آزر بقوله: وَاغْفِرْ لِأَبِي، إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء ٢٦/ ٨٦] أي وفقه للإيمان، فكان بسبب صدور وعد سابق على المنع، إذ قال: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم ١٩/ ٤٧] أي لا أملك إلا الدعاء لك. وكان من خلق إبراهيم الوفاء: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم ٥٣/ ٣٧].

(١) قال أهل المعاني: ما كانَ في القرآن يأتي على وجهين: على النفي نحو قوله: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل ٢٧/ ٦٠] والآخر بمعنى النهي كقوله: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب ٣٣/ ٥٣] وكهذه الآية.

صفحة رقم 60

فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله، بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه فيه بأنه لن يؤمن، تبرأ منه، وقطع استغفاره له، إن إبراهيم لأوّاه أي لكثير التأوه والتحسر، أو لكثير التضرع والدعاء، كما
قال صلى الله عليه وسلّم: «الأواه: الخاشع المتضرع»
وهو كناية عن فرط رحمته، ورقة قلبه، حليم: صبور على الأذى. والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له، مع معاداته له وسوء خلقه معه، بدليل أنه أي آزر قال لإبراهيم: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم ١٩/ ٤٦].
ثم رفع الله تعالى المؤاخذة عن الذين استغفروا للمشركين قبل نزول آية المنع هذه، وبيّن أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه، فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ... أي وما كان من سنة الله في خلقه ولا في رحمته وحكمته أن يصف قوما بالضلال أو يؤاخذهم مؤاخذة الضالين، بعد إذ هداهم للإسلام حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من الأقوال والأفعال. وهذا يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين، وإزالة العذر.
إن الله تعالى عليم بكل شيء، وبأحوال الناس وحاجتهم إلى البيان، وكأن هذا بيان عذر للرسول في قوله لعمه أو لمن استغفر له قبل المنع. وفي هذا دلالة على أن الغافل الذي لم تبلغه رسالة نبي غير مكلف. وبناء عليه، يستبعد أن يكون سبب نزول الآية الاستغفار لأم الرسول صلى الله عليه وسلّم لأنها ماتت قبل البعثة في عهد الفترة الجاهلية، التي انقطعت فيها النبوة بعد عيسى عليه السّلام، ولم يعد هناك مجال للتعرف على الدين الحق، لاختلاط الأمور.
وبعد أن أمر الله تعالى بالبراءة من الكفار، بين أن النصر لا يكون إلا من عنده لأن له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو الناصر لكم، فهم لا يقدرون على إضراركم، فقال: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ... أي إنه تعالى مالك كل موجود

صفحة رقم 61

ومتولي أمره، والغالب المهيمن عليه بيده الأمر كله، يحيي ويميت، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتبرؤوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه، ولا تهمنكم القرابة والصلة الذين هم أولياء مناصرون لكم عادة، فما لكم ولي ولا نصير غير الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
١- تحريم الدعاء لمن مات كافرا، بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك، كقولهم: المغفور له، والمرحوم فلان، كما يفعل بعض الجهلة.
٢- قطع الموالاة مع الكفار حيّهم وميّتهم فإن الله لم يسمح للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز. وأما
دعاء النبي صلى الله عليه وسلّم يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجّوا وجهه: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
فإنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، كما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم، أو أن هذا الدعاء كان قبل نزول سورة التوبة التي هي من آخر ما نزل من القرآن.
وحديث مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:
«رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
٣- لا حجة للمؤمنين في استغفار إبراهيم الخليل عليه السّلام لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة (وعد). والواعد: إما أبو إبراهيم، فإنه وعده أن يؤمن، قال ابن عباس: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر، علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له.
وقوله: إِيَّاهُ ترجع إلى إبراهيم، والواعد أبوه. أو أن يكون الواعد هو إبراهيم، أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، رجاء إسلامه، فلما مات مشركا تبرأ

صفحة رقم 62

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية