هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
وإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هذا بيان لحال المنافقين الذين كانوا يكونون في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول سورة، وما يكون من فعلهم وقولهم عند تلاوته لها وما قبلها في بيان حالهم إذا بلغهم نزول سورة من حيث البحث عن تأثيرها، وقد يقال : إن الأولى تشمل من سمع منه ومن بلغ عنه، والعبرة بموضوعها، لا بطريقة العلم بها، وإن هذه أدل على رسوخهم في الكفر وعدم الطمع في رجوعهم عنه، بإثباتها أنهم يكرهون سماع القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أشد تأثيرا من سماعه من غيره في الهداية، ولذلك كان المشركون يمنعونه من تلاوته على الناس لئلا يهتدوا بسماعه منه، فإن لم يتمكنوا من إسكاته أعرضوا عن سماعه ولغوا فيه، ومنعوا صاحبه الصديق أيضا من الصلاة في المسجد الحرام، ثم من مسجده الخاص، لما رأوا النساء والصبيان يجتمعون لسماع القرآن منه، ويتأثرون بخشوعه فيه :
يقول : وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس تسارقوا النظر، وتغامزوا بالعيون على حين تخشع أبصار المؤمنين، وتنحني رؤوسهم، وتجب قلوبهم، وترامقوا بالعيون يتشاورون في الانسلال من المجلس خفية لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من الإنكار والسخرية بالوحي، قائلا بعضهم لبعض بالإشارة أو العبارة : هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ أي من الرسول والمؤمنين إذا نحن انصرفنا كارهين لسماعها.
ثُمَّ انصَرَفُواْ يتسللون لواذا إلى مجامعهم الخاصة بهم، والتعبير بثم لبيان تراخي فعلهم عن وقت لقولهم، إلى سنوح فرصة الغفلة عنهم ولو أفرادا، فكلما لمح أحد منهم غفلة من المؤمنين عنه انصرف.
صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم هذه الجملة تحتمل الدعاء والخبر، ومضمونها النهائي في كلام الله واحد كما تقدم نظيره قريبا. والمعنى صرف الله قلوبهم عن صدق الإيمان، والاهتداء بآيات الله في القرآن، المرشدة إلى آياته في الأكوان.
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون أي بسبب أنهم قوم فقدوا صفة الفقاهة الفطرية وفهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال، لعدم استعمال عقولهم فيها، فهم لا يفقهون ما يسمعون من هذه الآيات لعدم تدبرها، والإعراض عن النظر والتأمل في معانيها، وموافقتها للعقل، وهدايتها إلى الحق والعدل، ذلك بأنهم اتخذوا أنفسهم أعداء وخصوما للرسول، فوطنوا أنفسهم على الإعراض عن كل ما جاء به من غير بحث ولا تأمل فيه : أمعقول أم غير معقول ؟ أحق أم باطل ؟ أخير أم شر ؟ أهدى أم ضلال ؟ أنافع أم ضار ؟ فأنى يرجى لهم وهذه حالهم أن يهتدوا بتعدد نزول الآيات والسور ؟ إنما مثلهم كمثل أعداء الإسلام من أهل الملل التي جروا على نظام تعليمي وتربية وجدانية عملية في عصبيتهم الدينية والقومية وارتباط منافعهم الاجتماعية والسياسية بها : لقنهم رؤساؤهم أنه يوجد دين اسمه الإسلام بني أساسه على عداوتكم لذاتكم، فيجب عليكم أن لا تنظروا فيه إلا أن يكون للبحث عن مطعن ولو متكلف تلمزونه به، ولا تفكروا في شيء من حال أهله في دينهم ودنياهم إلا للعداوة والتحقير لهم، وتدبير المكايد للعدوان عليهم، وإذا ظهر لكم شيء حسن من دينهم فوجهوا كل قواكم العقلية وبلاغتكم الكلامية إلى تشويهه وذمه والصد عنه، وهذا ما يفعله رجال الكنائس النصرانية على اختلاف مذاهبهم كما بيناه في غير هذا الموضع.
ومن المباحث الكلامية في الآيات الخلاف في زيادة الإيمان ونقصه، على مذهبين في إثبات ذلك ونفيه، وجمهور السلف من الصحابة والتابعين وحفاظ السنة على الإثبات، وهذه المسألة من أغرب مسائل عصبيات المذاهب عند النظار الجدليين ومقلديهم، وما كان ينبغي لمسلم أن يجعل هذا موضع خلاف لبحث بعض من ينتسب إليهم في مفهوم لفظ الإيمان الذي يتحقق باعتقاده الدخول في الملة : هل يقبل الزيادة والنقصان في ذاته ؟ أم المراد من هذه الآية وما في معناها متعلق الإيمان من العقائد والأحكام التي كانت تشتمل عليها السورة ؟ واستبعاد أن يكون التصديق الذي يكون به الكافر مؤمنا قابلا للزيادة والنقصان، وهي نظرية باطلة، وقد بينا معنى الآية بما يدل على أن قصر زيادة الإيمان فيها على التصديق بزيادة العلم بما تضمنته باطل، لأن هذا بديهي لا يمكن أن يكون هو الذي سأل عنه المنافقون، ونصوص القرآن الكثيرة صريحة في زيادة الإيمان ونقصه، وكذلك الأحاديث الصحيحة التي صرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أقل الإيمان -وهو المنجي من الخلود في النار- كالذرة أو الخردلة من الإيمان الكامل الذي لا يمس أهله من عذاب النار شيء، كالذين وصفهم الله بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وجلّتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : ٢ ] الخ وقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [ الحجرات : ١٥ ] الخ.
والتحقيق أن اليقين في الإيمان وغيره له درجات متفاوتة في القوة والضعف، واليقين الذي يصح به الإيمان هو اليقين اللغوي، وهو الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات كما بيناه في مواضع أولها تفسير وبالآخرة هم يوقنون [ البقرة : ٤ ]، وهو درجات منها التقليد الجازم، ومنها المعلوم بالنظر والاستدلال، وقد يطرأ عليهما الشك والزوال، ولولا ذلك ما تصور ارتداد مؤمن عن دينه، ومنها ما يصير وجدانا ضروريا بشرح الصدر، والنور الإلهي بكثرة الذكر والفكر والعبادة.
وأما اليقين المنطقي العلم القطعي بالبرهان بأن هذا الشيء كذا مع العلم القطعي باستحالة أن يكون غير كذا، فهو الذي قالوا إنه لا يقبل الزيادة والنقصان، ولكنه نادر الوقوع في غير الضروريات، ولا تتوقف عليه صحة الإيمان، ومع هذا يمكن أن يقال : إنه قابل للزيادة في وصفه وطمأنينة القلب به، وفي ترتيب آثاره عليه. ومثال الأول أن ترى شبحا في سدفة الفجر فتعلم أنه إنسان في انتصاب قامته، ثم تزداد علما به كلما انتشر الضياء، حتى يكون العلم به تفصيليا. والبرهان المنطقي المفيد لهذا اليقين عندهم لا تكون مقدماته النظرية في درجة الضروريات قوة وثباتا. وقد قسم بعضهم اليقين إلى ثلاث درجات : علم اليقين وهو ما يعلم بالدليل، وعين اليقين وهو ما يكون بالمشاهدة والكشف، وحق اليقين وهو ما يكون بالذوق والوجدان. ومثل لها بعضهم بالفناء عند الصوفية، وبعضهم بالموت، فكل أحد عنده علم اليقين بأنه يموت، فإذا عاين ملائكة الموت عند الحشرجة وقبل قبض الروح كان عين اليقين، فإذا مات بالفعل وصل إلى درجة حق اليقين، لكن هذه الدرجة وما قبلها لا يتعلق بهما بالتكليف.
تفسير المنار
رشيد رضا