قال تعالى : ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ( ١٣ ) [ التوبة : آية ١٣ ].
( ألا ) هنا حرف تحضيض، والتحضيض معناه الطلب بحث وشدة.
والمعنى : إن الله هنا طلب منهم بحث وشدة أن يقاتلوا هؤلاء الكفرة أئمة الكفر، وبين لهم أن قتالهم إياهم الذي حضض عليهم فيه أن له أسبابا متعددة، كل واحد منها يستوجبه بانفراده، فكيف بها مجموعة ؟
الأول منها : أنهم نكثوا أيمانهم.
الثاني : أنهم هموا بإخراج الرسول ( صلوات الله وسلامه عليه ).
الثالث : أنهم بدؤوكم بالقتال.
فهذه الأسباب حرية بأن يقاتل الذين اقترفوها وجاؤوا بها. وهذا معنى قوله : ألا تقتلون قوما .
قد قدمنا مرارا (١) أن ( القوم ) اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأنه في الوضع العربي يختص بالذكور دون الإناث، بدليل قوله : لا يسخر قوم من قوم ثم قال : ولا نساء من نساء [ الحجرات : آية ١١ ] وأن المرأة ربما دخلت في اسم ( القوم ) بحكم التبع إذا اقترن بما يدل عليه، كقوله : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين ( ٤٣ ) [ النمل : آية ٤٣ ].
وقال بعض العلماء : سمي قوم الرجل قوما لأنه لا قوام للإنسان إلا بجماعة ينضم إليها ويدخل في جملتها. وهذا معنى قوله : قوما نكثوا أيمنهم أي : نقضوا عهودهم، أو نقضوا العهود وأخلوا بالأيمان التي حلفوها توكيدا للعهود.
نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول [ التوبة : آية ١٣ ] الجماهير على أن هؤلاء الذين هموا بإخراج الرسول هم كفار مكة (٢) حين دبروا له المكيدة التي قدمناها موضحة في سورة الأنفال (٣) في قوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [ الأنفال : آية ٣٠ ] والله ( جل وعلا ) نص في بعض الآيات أنهم أخرجوهم بالفعل ؛ لأنهم في الحقيقة اضطروه وألجؤوه ( صلوات الله وسلامه عليه ) إلى الخروج ؛ لأن عمه أبا طالب ما دام حيا كان يكفهم عنه، ويردعهم عنه، ولا يقدرون أن يبلغوا منه المبلغ الذي بلغوا بعد أن مات، وكان يقول له (٤) :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا
اصدع بأمرك ما عليك غضاضة ***...........................
فلما توفي أبو طالب ضيقوا عليه حتى خرج ( صلوات الله وسلامه عليه ) ودخل هو وصاحبه الصديق في الغار كما ستأتي قصة ذلك مفصلة في هذه السورة الكريمة – سورة براءة – حيث نص الله عليه فيها. وقد قال جل وعلا : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك [ محمد : آية ١٣ ] فصرح بأنهم أخرجوه. وقال ( جل وعلا ) : يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم [ الممتحنة : آية ١ ] وقال : الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [ الحج : آية ٤٠ ] وقال تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها الآية [ الإسراء : آية ٧٦ ] إلى غير ذلك من الآيات.
والرسول هو سيدنا محمد ( صلوات الله وسلامه عليه ). وأصل الرسول ( فعول ) بمعنى ( مفعل ) رسول بمعنى مرسل. وأصل الرسول مصدر، وإتيان المصادر على وزن ( الفعول ) مسموع بقلة، كرسول بمعنى الرسالة، وقبول، وولوع، في أوزان قليلة (٥). والتحقيق أن أصل الرسول مصدر، ومن إطلاقه مصدرا قول الشاعر (٦) :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم *** بقول ولا أرسلتهم برسول
يعني : ما أرسلتهم برسالة. ومن فوائد كون أصل الرسول مصدرا ؛ لأن هذا الأصل يحل به بعض الإشكالات في القرآن ؛ لأن من المقرر في علم العربية أن المصدر إذا نعت به ألزم الإفراد والتذكير، وربما تنوسي كونه مصدرا فجمع (٧)، وقد جاء ( الرسول ) مجموعا بلفظ المفرد، وقد جاء مثنى بلفظ المفرد ؛ لأن الله قال في سورة طه : إنا رسول رب العلمين بالإفراد. ووجه الإفراد في آية الشعراء : أن أصل الرسول مصدر، والمصادر إذا نزلت منزلة الأوصاف أفردت وذكرت، ويدل لهذا أنه سمع في لغة العرب إطلاق الرسول مرادا به الجمع ؛ لأن أصله مصدر، ومنه بذلك المعنى قول أبي ذؤيب الهذلي (٨) :
ألكني إليها وخير الرسول *** أعلمهم بنواحي الخبر
يعني : وخير الرسل. وهذا معنى قوله : وهموا بإخراج الرسول .
ثم قال : وهم بدءوكم أول مرة [ التوبة : آية ١٣ ] حذف المتعلق لقوله : بدءوكم والظاهر أن المعنى : بدؤوكم بالقتال والعدوان عليكم أول مرة، واختلف العلماء في وجه ذلك على قولين (٩) :
أحدهما : أن ابتداءهم للقتال هو ما قدمناه مفصلا في سورة الأنفال في غزوة بدر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فيها للعير خاصة ولم يخرج للقتال، فلما ساحل أبو سفيان بالعير، ونجت العير، واستنفر النفير، وجاءهم الخبر أن عيرهم قد سلمت، كان من حقهم في ذلك الوقت أن يرجعوا، كما أشار عليهم به عمير بن وهب وعتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام، ولكن الخبيث أبا جهل قال : والله لا نرجع حتى نرد بدرا – وكانت من مواسم العرب – وتعزف علينا الغواني، ونشرب الخمر. وفي بعض الروايات أنه قال : لا نرجع حتى نستأصل محمدا وأصحابه (١٠). فلما نجت عيرهم وجاؤوا بعد ذلك إلى بدر معناه أنهم يريدون الشر، فكان هذا ابتداؤهم بالشر.
وقال بعض العلماء :- وهو أظهرهما – أن معنى : وهم بدءوكم أي : بدؤوكم بنقض العهود وقتل من كان في حلفكم كما وقع من قريش في إعانتهم لبني الديل بن بكر على خزاعة فقتلوهم، كما قال راجزهم (١١) :
هم بيتونا بالوتير هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
فابتداء هذا القتل كأنهم بدؤوا بالقتل ونقض العهود، وخزاعة في ذلك الوقت لهم حكم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لدخولهم في عهده. وهذا معنى قوله : وهم بدءوكم أول مرة كان في المرة الأولى ابتداء السوء حاصلا منهم. وهذا معنى قوله : وهم بدءوكم أول مرة [ التوبة : آية ١٣ ].
ثم إن الله لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقتال الكفار أنكر عليهم أن يخافوا الكفار، قال : أتخشونهم بهمزة الإنكار. يعني : لا تخشوا هؤلاء أبدا فإنهم كفرة فجرة، والله ( جل وعلا ) أحق أن تخشوه فتمتثلوا أمره، وتقاتلوا أئمة الكفر الذين هموا بإخراج الرسول، وبدؤوا بالشر أو مرة. وهذا معنى قوله : أتخشونهم .
فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ( إن ) في قوله : إن كنتم مؤمنين تشكل دائما على المتعلمين وبعض العلماء (١٢)، و( إن ) هذه هي التي اختلف فيها البصريون والكوفيون، وهي كثيرة في القرآن، فالبصريون يقولون : إن ( إن ) هذه أنها صيغة شرط جيء بها مرادا بها التهييج وقوة الحمل على الامتثال، وهو أسلوب عربي معروف، أن العرب تنطق بأداة الشرط ولا تريد به حقيقة تعليق جزاء على شرط، وإنما تريد به التهييج والدعوة الصارمة إلى الامتثال، كما تقول للرجل : " إن كنت فلان فافعل في كذا " وأنت تعلم أنه ابن فلان، إلا أنك تستنهضه وتستحثه، ومن هذا المعنى قول واحد من أولاد الخنساء لما أوصتهم بالجهاد في سبيل الله (١٣) :
لست لخنساء ولا للأخرم *** ولا لعمرو ذي الثناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجمي *** ماض على الهول خضم خضرم
يعني : إن لم أرد في الجيش فلست ابنا لأبي ولا لأمي. لا يقصد التعليق وإنما يقصد تحريض نفسه على هذا. هذا معناها عند البصريين فيما يصح فيه هذا وفيما لا يصح فيه هذا كقوله : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله [ الفتح : آية ٢٧ ] وهم داخلون قطعا. وقوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الزيارة : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " (١٤) وهم لاحقون بهم قطعا، قالوا : السر في هذا التعليق ليعلم الله خلقه أنهم لا يتكلمون عن مستقبل إلا بتعليقه على مشيئة من له المشيئة، ولو كان أمرا واقعا لا محالة فكيف بغيره.
أما الكوفيون فإنهم يقولون : إن ( إن ) هذه بمعنى ( إذ ) وأنها تعليلية، ويقولون : " فالله أحق أن تخشوه إذ كنتم مؤمنين " أي : لأجل كونكم كنتم مؤمنين فذلك يستوجب منكم الخشية، وإطلاق ( إن ) بمعنى ( إذ ) ربما سمع في كلام العرب، وأنشد له بعض علماء العربية قول الفرزدق (١٥) :
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا *** جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
يعني : أتغضب لأجل " إذ حزت أذنا قتيبة ؛ لأجل أن حزتا " وهذان الوجهان في قوله : فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين [ التوبة : آية ١٣ ].
٢ انظر: القرطبي (٨ ٨٦)، ، الأضواء (٢/ ٤٣٠)..
٣ مضى عند تفسير الآية (٣٠) من سورة الأنفال..
٤ الأبيات في البداية والنهاية (٣/ ٤٢)، ولفظ البيت الثاني هناك:
فــامض لأمــرك مـــا عــلـــيــــك غــــضــــاضـــة أبــــشـــــر وقــــر بــــذاك مــــنــــك عــــيــــونـــــا.
٥ مضى عند تفسير الآية (١٣٠) من سورة الأنعام..
٦ السابق..
٧ مضى عند تفسير الآية (٤٦) من سورة الأنعام..
٨ مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنعام..
٩ انظر: القرطبي (٨/ ٨٦)..
١٠ مضى عند تفسير الآية (٥) من سورة الأنفال..
١١ مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة الأنفال..
١٢ مضى عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام..
١٣ هذان البيتان سبق ذكرهما عند تفسير الآية (١١٨) من سورة الأنعام..
١٤ السابق..
١٥ السابق..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير