ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

قال الله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ التوبة : ١٦ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٢٠ ] حكم التقليد ؟
قال ابن حزم :
( والتقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد بلا برهان )١.
وقد أطال النفس في الاستدلال لهذا القول، فكان من أدلته ما قاله بعد أن ذكر قول من نهى عن التقليد :
( قال أبو محمد : كيف وقد أغنانا الله تعالى عن قولهم في ذلك بما نص في كتابه من إبطال التقليد فمن قول الله عز وجل :
مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت [ العنكبوت : ٤١ ].
ثم قال الله تعالى على أثر هذه الآية : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ العنكبوت : ٤٣ ].
قال أبو محمد : فمن اتخذ رجلا إماما يعرض عليه قول ربه وقول نبيه صلى الله عليه وسلم فما واقف فيه قول ذلك الرجل قبله، وما خالفه ترك قول ربه تعالى، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى : أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذي جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسول ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون [ التوبة : ١٦ ].
قال أبو محمد : ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه عيارا على كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام سائر علماء الأمة.
وقال تعالى : يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [ الأحزاب : ٦٦-٦٧ ].
وقال تعالى : فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين [ الصافات : ١٥٧ ].
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ البقرة : ١١١ ].
قال أبو محمد : فمن لم يأت بكتاب الله تعالى شاهدا٢ لقوله، أو ببرهان على صدق قوله، وإلا فليس صادقا، لكنه كاذب آفك مفتر على الله عز وجل. ومن أطاع سادته وكبراءه وترك ما جاءه عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد ضل، بنص القرآن، واستحق الوعيد بالنار، نعوذ بالله منها وما أدى إليها…
وقال تعالى : إذ تبرأ الذين أتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب [ البقرة : ١٦٦ ].
قال أبو محمد : هكذا والله يقول هؤلاء الفضلاء الذين قلدهم أقوام قد نهرهم عن تقليدهم، فإنهم رحمهم الله تبرؤوا في الدنيا والآخرة من كل من قلدهم، وفاز أولئك الأفاضل الأخيار، وهلك المقلدون لهم بعد ما سمعوا من الوعيد الشديد والنهي عن التقليد، وعلموا أن أسلافهم الذين قلدوا، قد نهوهم عن تقليدهم، وتبرؤوا منهم إن فعلوا ذلك…
وقال عز وجل : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ البقرة : ١٧ ]٣.
قال أبو محمد : وهذا نص ما فعل خصومنا بلا تأويل ولا تدبر، بل تعرض عليهم الآية والحديث الصحيح الذي يقرون بصحته، وكلاهما مخالف لمذاهب لهم فاسدة، فيأبون من قبولها لا بفارق ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا، فقد أجابهم تعالى جوابا كافيا وحسبنا الله ونعم الوكيل٤.
وقال تعالى : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله [ القصص : ٥٠ ].
وقال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [ الجاثية : ٢٣ ].
قال أبو محمد :
هذه صفة ظاهرة من كل مقلد، يعرفها من نفسه ضرورة ؛ لأنه هوى تقليد فلان، فقلده بغير علم ووجدناه لا ينتفع بسمعه فيما يسمع من الآي والسنن المخالفة لمذهبه، ولا انتفع بصره فيما رأى من ذلك، ولا بعقله فيما علم من ذلك، ووجدناه ترك طلب الهدى من كتاب الله تعالى وكتاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وطلب الهدى ممن دون الله تعالى ؛ فضل ضلالا بعيدا. فواحسرتاه عليهم، ووأسفاه لهم.
وقال تعالى : قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى [ الأنعام : ٧١ ].
قال أبو محمد : وهذا نص فعل المقلد لأنه التزم اتباع من لا ينفعه، ولا يشفع له يوم القيامة، ولا ينيله من حسناته حسنة، ولا يحط عنه من سيئاته سيئة، كذلك دعاه أصحابه إلى الهدى بزعمهم، فأكذبهم تعالى وقال : إن هدى الله هو الهدى [ البقرة : ١٢ ]. فلم يجعل هدى إلا ما جاء من عنده تعالى٥.
ومن أدلته في المسألة الإجماع، قال :
( وقد صح إجماع الصحابة رضي الله عنهم : أولهم عن آخرهم، وإجماع جميع التابعين : أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم، أو ممن قبلهم، فيأخذه كله. فليعلم من أخذ بجميع قول أبي حنيفة، أو جميع قول مالك، أو جميع قول الشافعي، أو جميع قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه ممن يتمكن من النظر، ولم يترك من اتبعه منهم إلى غيره، أنه قد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها، واتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة )٦.

١ النبذ (ص ١١٤)..
٢ الصواب : شاهدا..
٣ وانظر هذا الدليل في النبذ ص ١١٥..
٤ قال ابن عبد البر في (جامع البيان العلم) (٢/٩٧٨): وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من جهة الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهم وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل، فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه، فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة، لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا، وإن اختلفت الآثام فيه) وانظر: (إعلام الموقعين) (٢/١٢٩-١٣٠)..
٥ (أصول الأحكام) (م٢/٢٧٤-٢٧٧)..
٦ النبذ (ص ١١٦)، وانظر هذا الدليل في أصول أدلة الأحكام (٢/٢٩١-٢٩٢)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير