ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( التوبة : ١٦ ).
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات التي قبل هذه بيان حال المشركين من مواصلتهم ما بدؤوا به من قتال المؤمنين لأجل دينهم، وقتال المؤمنين لهم على الوجه الذي قامت به الحجج الناصعة على كون المؤمنين على الحق في هذا القتال، والكلام الآن في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف على تمحيصهم من ضعف الإيمان والهوادة في حقوق الإسلام.
تفسير المفردات :
الوليجة : ما يلج في الأمر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدّخيلة، ويطلق على الواحد والكثير، ويراد بها هنا بطانة السوء من المنافقين والمشركين.
الإيضاح :
أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة الخطاب هنا لجماعة المسلمين الذين من بينهم منافقون ومرضى القلوب يثبّطون عن القتال.
والمعنى : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد، وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤوكم أول مرة، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لأيمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصدّ الناس عنه كما هو دأبهم منذ ظهور الإسلام ؛ وهل نسيتم ما اعتذر به المنافقون الذي تخلّفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من أعذار ملفّقة كاذبة، وما كان من تثبيط من خرج منهم معكم عن القتال ؟ أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم بغير فتنة ولا امتحان، ولم يتبين الخّلص من المجاهدين منكم الذين لم يتخذوا لأنفسهم بطانة من المشركين الذين يحادون الله تعالى بالشرك به، ويحادون الرسول بالصد عن دعوته، ويقاتلون المؤمنين أنصار الله ورسوله- من المنافقين الذين يُطْلِعون أولئك الولائج على أسرار الملة ويقفونهم على سياسة الأمة كما يفعل المنافقون في كل زمان.
ونحو الآية قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دينكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ( آل عمران : ١١٨ ).
وقد عبر سبحانه عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين وتميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان- بعدم علمه بهم، لأن عدم علمه بالشيء دليل على عدم وجوده.
ولا يظهر هؤلاء الممتازون إلا بالابتلاء بالشدائد كما جاء في قوله : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون( ٢ ) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ( العنكبوت : ٢-٣ ).
والله خبير بما تعملون الآن وبعد ذلك وقبله، محيط بكل شيء علما، وقد مضت سنته تعالى بأن التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحّص ما في القلوب ويطهّر السرائر بقدر ما فيها من حسن الاستعداد، ويبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء استعدادها.
وخلاصة المعنى : أظننتم أن تتركوا قبل أن يتم التمحيص والتمييز بين الصادقين في جهادهم والكاذبين فاسدي السريرة ومتّخذي الوليجة، وهو لم يعلم الصادقين في الجهاد لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له، إذ لا يخفى عليه شيء من أمركم، وهو الخبير بكل ما تعملون.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير