يقول الله ( جل وعلا ) : أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ( ١٦ ) [ التوبة : آية ١٦ ].
( أم ) هنا هي المنقطعة. ومعنى ( أم ) المنقطعة عند علماء العربية : أنها تأتي بمعنى استفهام الإنكار، وبمعنى ( بل ) الإضرابية، وتأتي بمعناها معا، وهو أجودها ١.
و ( حسبتم ) معناه ظننتم. والإنكار الذي في قوله : " أم " يتوجه إلى من ظن أنه يدخل الجنة من غير ابتلاء ولا امتحان. والمعنى : أحسبتم، أي : أظننتم أن الله يترككم من غير أن يختبركم بالمشاق التي يظهر بالاختبار بها المطيع من العاصي، والمحق من المبطل، والصادق من الكاذب ؟ والمعنى : لا بد أن يبتليكم الله ويمتحنكم بأنواع الابتلاء، ومن أعظمها : الأمر بالجهاد في سبيل الله الذي فيه تعريض المهج والأموال للتلف والضياع ؛ لأن ذلك يظهر به الزائف من الخالص، ويتبين به الصادق من الكاذب، وهذا معنى قوله : أم حسبتم يعني أظننتم ؟ الحسبان معناه الظن أن تتركوا أن يترككم الله من غير اختبار ولا امتحان ولا ابتلاء ؟ لا. لا يكون ذلك أبدا ولما يعلم الله هي ( لم ) النافية دخلت عليها ( ما ) المزيدة لتوكيد النفي، وهي تدل على توقع حصول الأمر ولم يحصل بالفعل. وقوله : ولما يعلم الله أي : يترككم الله ولم يختبركم اختبارا يعلم به من هو الصادق منكم ومن هو الكاذب، ومن هو المخلص وغيره.
وهذه الآيات وأمثالها في القرآن التي ربما يفهم الجاهل منها أن الله يختبرهم ليطرأ له علم بذلك الاختبار، هذا لا يراد ؛ لأن عالم الغيب والشهادة، عالم بما كان، وما سيكون، وما يقع، وعالم بالمعدودات والموجودات، والجائزات والمستحيلات، حتى إنه من إحاطة علمه ليعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد وأنه لا يكون يعلم أن لو كان كيف يكون، كما أوضحناه مرارا ٢.
وجرت العادة في القرآن أن الله تبارك وتعالى إذا جاء عنه بعض الآيات التي فيها شبه خفاء لا بد أن يبينه ويوضحه في بعض المواضع، وقد أوضح هذا في آية من سورة آل عمران قدمناها مرارا، أوضح فيها أنه يختبر ويبتلي ليظهر للناس حقيقة الناس، ويعلموا المخلص من الزائف، والصادق من الكاذب، وتلك الآي هي قوله تعالى : وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم [ آل عمران : آية ١٥٤ ] بين أن ما أوقع بهم يوم أحد من تسليط المشركين عليهم وقتل سبعين منهم أنه فعل ذلك لأجل أن يبتليهم ويختبرهم ويمحص ما في قلوبهم، فظهر المنافقون من الصادقين، ومع هذا قال بعد قوله : وليبتلي قال : والله عليم بذات الصدور [ آل عمران : آية ١٥٤ ] ومن هو عالم بما يخطر في الضمائر لا يستفيد بالاختبار علما سبحانه ( جل وعلا ) عن ذلك. فالمراد ب ولما يعلم الله هنا إظهار معلومه للناس، أو العلم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء ؛ لأن الله عالم بأفعالهم قبل أن يفعلوها، وعلمه بها أولا لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعالم أيضا بها وقت فعلها وذلك العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. وقال البغوي ( رحمه الله ) في تفسيره هذه الآية الكريمة : ولما يعلم الله يعني : أحسبتم أن يترككم الله ولم ير الله عملكم حتى يتبين للناس المخلص من غيره ٣.
وعلى هذا التفسير الذي فسرها به فالمعنى يشبه قوله : وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله [ التوبة : آية ١٠٥ ] وعلى كل حال فيجب على كل مسلم أن يعتقد أن علم الله محيط بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، يعلم ما كان، وما سيكون وما سبق في علمه أنه لا يكون يعلم أن لو كان كيف يكون. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٤ الآيات الكثيرة الدالة على إحاطة علمه حتى المعدومات الذي سبق في علمه أنها لا توجد، وأنه عالم بأنها لو وجدت أنها لا تكون، وأنها لو كانت يعلم كيف تكون، دلت على هذا آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله في سورة الأنعام : فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئايت ربنا ونكون من المؤمنين [ الأنعام : آية ٢٧ ] إذا رأى الكفار الحقائق يوم القيامة ندموا على تكذيب الرسل وتمنوا أن يردوا إلى الدنيا مرة أخرى ليؤمنوا ويصدقوا الرسل، وهذا الرد الذي تمنوه الله عالم بأنه لا يكون، ومع ذلك فقد صرح بأن هذا الرد الذي لا يكون هو عالم أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون [ الأنعام : آي ٢٨ ] والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدا ؛ لأن الله ثبطهم عنها لحكمة وإرادة كما صرح به في قوله : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم [ التوبة : آية ٤٦ ] وخروجهم هذا الذي لا يكون صرح بعلمه أن لو كان كيف يكون حيث قال : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خللكم يبغونكم الفتنة.... الآية [ التبة : آية ٤٧ ].
ونظائر هذا كثيرة في كتاب الله ( جل وعلا ) وهذا معنى قوله : ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم [ التوبة : آية ١٦ ] يعني : يعلمهم علما يظهرهم به للناس حتى يتميزوا به، أما هو فهو عالم بكل ما يصنعون وما يؤولون إليه، كما قال تعالى : ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عملون [ المؤمنون : آية ٦٣ ] يعلمها قبل أن يعملوها. هذه الآية نص الله على ما دلت عليه هنا في آيات كثيرة كقوله : الم ( ١ ) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ( ٢ ) [ العنكبوت : الآيتان ١، ٢ ] لا يكون ذلك ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين ( ٣ ) ومن نظائرها قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين ( ١٤٢ ) [ آل عمران : آية ١٤٢ ] وقوله : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا الآية [ البقرة : آية ٢١٤ ]. وقوله : وما أصبكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ( ١٦٦ ) وليعلم الذين نافقوا [ آل عمران : الآيتان ١٦٦، ١٦٧ ] أي : يميز بينهم بما يعلمنه من الاختبار ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب [ آل عمران : آية ١٧٩ ] ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلوا أخباركم ( ٣١ ) [ محمد : آية ٣١ ] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية المصرحة أنه قد اقتضت حكمة الله أن لا يترك خلقه من غير ابتلاء وامتحان بل لا بد أن يمتحنهم ويبتليهم بالشدائد والعظائم ليظهر الذي هو على الحق من الذي هو على الباطل، ويتبين الصادق من الكاذب. وهذا معنى قوله : أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة [ التوبة : آية ١٦ ].
ولم يتخذوا معطوف على فعل الصلة، والمعنى : ولما يعلم الله الذين جهدوا ويعلم الذين لم يتخذوا من دون الله وليجة، والمعنى : لا بد أن يمتحنكم حتى يعلم المجاهد في سبيل الله والمخلص الذي لم يتخذ وليجة من دون الله ولا رسوله ؛ لأن بعض الناس ظهر نفاقهم وبعضهم ظهر اتخاذهم الوليجة من دون الله.
واعلم أن الوليجة في لغة العرب : كل شيء أدخلته في شيء فهو وليجة ٥. والمراد بها هنا : بطانة السوء ؛ لأنهم يدخلون في المسلمين وليسوا منهم ؛ لأن كثيرا من غير المخلصين يتخذون أعداء الله أولياء، ويفشون إليهم أسرار المسلمين، ويطلعونهم على حقائقهم، وهم أعداء للمسلمين، كما كان عبد الله بن أبي وأصحابه يفعلون، هم مع الكفار واليهود، والمعنى : ولم يتخذوا من دون الله ولم يتخذوا من دون رسول الله، ولم يتخذوا من دون المؤمنين وليجة، أي : أولياء وبطانات سوء يوالونهم دون المسلمين ؛ لأن الأعداء خارجون عن المسلمين، فإدخالهم فيهم كأنه وليجة لهم وإدخال لمن ليس منهم فيهم.
فالوليجة هنا : بطانة السوء، وأولياء السوء، يتخذهم بعض غير الصادقين في إيمانهم أولياء، كما تقدم في قوله : لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين [ آل عمران : آية ٢٨ ] فاتخاذ هذه الأولياء هو الوليجة، لأن العدو الموالى من المسلمين المدخل فيهم وليجة فيهم وليس منهم، والعرب تقول للرجل في القوم ليس منهم : هو وليجة. يعني داخل فيهم وليس منهم. ووليجة الأمر : دخيلته، وهؤلاء وليجة فلان، معناه : أصحاب سره وداخله، وتطلق على المفرد والجمع. وهذا معنى ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة [ التوبة : آية ١٦ ] أي : دخيلة من الأعداء يتخذونهم أولياء، ويوالونهم، ويفشون إليهم أسرار المسلمين، كما كان يفعله المنافقون، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول أبان بن العرب :
| فبئس الوليجة للهاربين | والمعتدين وأهل الريب |
والله خبير بما تعملون يعني : الخبير أخص من العالم، والخبرة أخص من العلم ؛ لأن العلم يطلق على كل علم، والخبرة لا تطلق في اللغة إلا على علم خاص، وهو علم الشيء الذي من شأنه أن يخفى، فالعرب تقول في الشيء الذي شأنه أن يخفى : على الخبير سقط، وأنا خبير بهذا. فلو قلت مثلا : أنا عالم بأن الواحد نصف الاثنين : وأن الكل أكبر من الجزء، كان هذا كلاما عربيا، ولو قلت : أنا خبير بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء، لما كان هذا ينبغي ؛ لأن العرب لا تكاد تطلق الخبرة إلا على المعرفة بما من شأنه أن يخفى، كما قال الشاعر في العيافة ٦ :
| خبير بنو لهب فلا تك ملغيا | مقالة لهبي إذا الطير مرت |
٢ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأنعام..
٣ تفسير البغوي (٢/ ٢٧٣)..
٤ راجع ما سبق عند الآية (٥٩) من سورة الأنعام..
٥ انظر: المقاييس في اللغة، كتاب الواو، باب الواو واللام وما واللام وما يثلثهما. (مادة: ولج) ص ١١٠٣..
٦ مضى عند تفسير الآية (٥٨) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير