م*
أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ أي : بشركهم، وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ كما قال تعالى : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الأنفال : ٣٤ ] ؛ ولهذا قال : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا سريج١ حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ؛ أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد٢ فاشهدوا له بالإيمان ؛
قال الله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
ورواه الترمذي، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب، به٣
وقال٤ عبد بن حميد في مسنده : حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه، وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما عمار المساجد هم أهل الله " ٥ ورواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما٦ عمار المساجد هم أهل الله " ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح٧
وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعا :" إذا أراد الله بقوم عاهة، نظر إلى أهل المساجد، فصرف عنهم ". ثم قال : غريب٨
وروى الحافظ البهاء في المستقصى، عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي : حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المرى، عن ثابت، عن أنس مرفوعا :" يقول الله : وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم ". ثم قال ابن عساكر : حديث غريب٩
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد " ١٠
وقال عبد الرازق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال : أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون : إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها١١
وقال المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي، فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ الآية رواه ابن مردويه.
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها.
وقوله : وَأَقَامَ الصَّلاةَ أي : التي هي أكبر عبادات البدن، وَآتَى الزَّكَاةَ أي : التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ أي : ولم يخف إلا من الله تعالى، ولم يخش سواه، فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يقول : من وحد الله، وآمن باليوم الآخر يقول : من آمن بما أنزل الله، وَأَقَامَ الصَّلاةَ يعني : الصلوات الخمس، وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ يقول : لم يعبد إلا الله - ثم قال : فَعَسَى أُولَئِكَ [ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ] ١٢ يقول : إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ الإسراء : ٧٩ ] يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله : و " عسى " من الله حق.
٢ - في ت، أ :"المساجد".
٣ - المسند (٣/٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٣) والمستدرك (٢/٣٣٢) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف..
٤ - في د :"وروى"..
٥ - فيه صالح المري وهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما سيأتي في رواية البزار..
٦ - في ت، ك، أ :"إن"..
٧ - مسند البزار برقم (٤٣٣) "كشف الأستار" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/٦٦) من طريق هاشم بن القاسم عن صالح المري به، وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٣) :"فيه صالح المري وهو ضعيف"..
٨ - لم أعثر عليه في الأطراف لابن القيسراني..
٩ - وفيه منصور بن صقير، قال أبو حاتم : ليس بالقوي. وقال العقيلي : في حديثه بعض الوهم، ورواه ابن عدي في الكامل (٤/٦١) من طريق سعيد بن أشعث عن صالح المري به نحوه، ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٠٥١) من طريق عبدان عن معاذ بن خالد بن شقيق عن صالح المري به نحوه، وصالح المرى ضعيف..
١٠ - المسند (٥/٢٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٢٣) :"العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ"..
١١ - ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٠٥٢) من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من قريش رفع الحديث، فذكر نحوه، وهو معضل.
.
١٢ - زيادة من ت، ك، أ..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة