الَّذِي يَكُونُ فِي الْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ وَلِيجَةٌ، فَالْوَلِيجَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ وَلَجَ كَالدَّخِيلَةِ مِنْ دَخَلَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: يُقَالُ هُوَ وَلِيجَتِي وَهُمْ وَلِيجَتِي لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لَا يَتَخَلَّصُ عَنِ الْعِقَابِ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ، وَذُكِرَ الْعِلْمُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَعْلُومُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَصْدُرَ الْجِهَادُ عَنْهُمْ إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ وُجُودُ الشَّيْءِ يَلْزَمُهُ مَعْلُومُ الْوُجُودِ عِنْدَ اللَّه، لَا جَرَمَ جَعَلَ عِلْمَ اللَّه بِوُجُودِهِ كِنَايَةً عَنْ وُجُودِهِ، وَاحْتَجَّ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إِلَّا حَالَ وُجُودِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ يُوهِمُ مَا ذَكَرَهُ إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا بَيَّنَّاهُ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ الْمُجَاهِدَ قَدْ يُجَاهِدُ وَلَا يَكُونُ مُخْلِصًا بَلْ يَكُونُ مُنَافِقًا، بَاطِنُهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّخِذُ الْوَلِيجَةَ مِنْ دُونِ اللَّه وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُمْ إِلَّا إِذَا أَتَوْا بِالْجِهَادِ مَعَ الْإِخْلَاصِ خَالِيًا عَنِ النِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَى الْكُفَّارِ وَإِبْطَالِ مَا يُخَالِفُ طَرِيقَةَ الدِّينِ وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ إِيجَابِ الْقِتَالِ نَفْسَ الْقِتَالِ فَقَطْ، بَلِ الْغَرَضُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ انْقِيَادًا لِأَمْرِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلِحُكْمِهِ وَتَكْلِيفِهِ، لِيَظْهَرَ بِهِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي طَلَبِ رِضْوَانِ اللَّه تَعَالَى فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِفَاعُ، وَأَمَّا الْإِقْدَامُ عَلَى الْقِتَالِ لِسَائِرِ الْأَغْرَاضِ فَذَاكَ مِمَّا لَا يُفِيدُ أَصْلًا.
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أَيْ عَالِمٌ بِنِيَّاتِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُبَالِغَ فِي أَمْرِ النِّيَّةِ وَرِعَايَةِ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: إِنَّ اللَّه لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ اللَّه مِنْ خَلْقِهِ الِاسْتِقَامَةَ كَمَا قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت: ٣٠ الأحقاف: ١٣] قَالَ: وَلَمَّا فُرِضَ الْقِتَالُ تَبَيَّنَ الْمُنَافِقُ مِنْ غَيْرِهِ وَتَمَيَّزَ مَنْ يُوَالِي الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يُعَادِيهِمْ.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٧ الى ١٨]
مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)
[فِي قَوْلُهُ تَعَالَى مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى بَدَأَ السُّورَةَ بِذِكْرِ الْبَرَاءَةِ عَنِ الْكُفَّارِ وَبَالَغَ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ وَذَكَرَ مِنْ أَنْوَاعِ فَضَائِحِهِمْ وَقَبَائِحِهِمْ مَا يُوجِبُ تِلْكَ الْبَرَاءَةَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ شُبَهًا احْتَجُّوا بِهَا/ فِي أَنَّ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَطَةُ وَالْمُنَاصَرَةُ حَاصِلَةً، فَأَوَّلُهَا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِصِفَاتٍ حَمِيدَةٍ وَخِصَالٍ مَرْضِيَةٍ وَهِيَ تُوجِبُ مُخَالَطَتَهُمْ وَمُعَاوَنَتَهُمْ وَمُنَاصَرَتَهُمْ، وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الصِّفَاتِ كَوْنُهُمْ عَامِرِينَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَعَيَّرُوهُ بِكُفْرِهِ باللَّه وقطعية الرَّحِمِ، وَأَغْلَظَ لَهُ عَلِيٌّ وَقَالَ: أَلَكُمْ مَحَاسِنُ فَقَالَ: نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ وَنَسَقِي الْحَاجَّ وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى رَدًّا عَلَى الْعَبَّاسِ مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: عِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ قِسْمَانِ: إِمَّا بِلُزُومِهَا وَكَثْرَةِ إِتْيَانِهَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَعْمُرُ مَجْلِسَ فُلَانٍ إِذَا كَثُرَ غِشْيَانُهُ إِيَّاهُ، وَإِمَّا بِالْعِمَارَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْبِنَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الثَّانِيَ، كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ أَنْ يُقْدِمَ على مرمة الْمَسَاجِدِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَوْضِعُ الْعِبَادَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَظَّمًا وَالْكَافِرُ يُهِينُهُ وَلَا يُعَظِّمُهُ، وَأَيْضًا الْكَافِرُ نَجِسٌ فِي الْحُكْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَتَطْهِيرُ الْمَسَاجِدِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٥] وَأَيْضًا الْكَافِرُ لَا يَحْتَرِزُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَدُخُولُهُ فِي الْمَسْجِدِ تَلْوِيثٌ لِلْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ عِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْضًا إِقْدَامُهُ عَلَى مَرَمَّةِ الْمَسْجِدِ يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْعَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْكَافِرُ صَاحِبَ الْمِنَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو أَنْ يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللَّه عَلَى الْوَاحِدِ، وَالْبَاقُونَ مَساجِدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمْعِ حُجَّةُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عمرو قوله: عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [التوبة: ١٩] وَحُجَّةُ مَنْ قَرَأَ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُرَادَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَإِنَّمَا قِيلَ: مَساجِدَ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا وَإِمَامُهَا، فَعَامِرُهُ كَعَامِرِ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: مَا كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِنْ مَسَاجِدِ اللَّه، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمَكَّنُوا مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْمَسَاجِدِ وَأَعْظَمُهَا. الثَّالِثُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ قَدْ يَضَعُونَ الْوَاحِدَ مَكَانَ الْجَمْعِ وَالْجَمْعَ مَكَانَ الْوَاحِدِ أَمَّا وَضْعُ الْوَاحِدِ مَكَانَ الْجَمْعِ فَفِي قَوْلِهِمْ فُلَانٌ كَثِيرُ الدِّرْهَمِ وَأَمَّا وَضْعُ الْجَمْعِ مَكَانَ الْوَاحِدِ فَفِي قَوْلِهِمْ فُلَانٌ يُجَالِسُ الْمُلُوكَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ إِلَّا مَعَ مَلِكٍ وَاحِدٍ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَسْجِدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، فَكُلُّ بُقْعَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهِيَ مسجد.
المسألة الرابعة: قال الواحدي: دلت عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مَمْنُوعُونَ مِنْ عِمَارَةِ مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ أَوْصَى بِهَا لَمْ تُقْبَلْ وَصِيَّتُهُ وَيُمْنَعُ عَنْ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ، وَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ/ مُسْلِمٍ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنٍ لَمْ يُعَزَّرْ، وَالْأَوْلَى تَعْظِيمُ الْمَسَاجِدِ، وَمَنْعُهُمْ مِنْهَا، وَقَدْ أَنْزَلَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمْ كُفَّارٌ وَشَدَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ فِي سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ كَافِرٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَوْلُهُ: شاهِدِينَ حَالٌ وَالْمَعْنَى مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوا الْمَسَاجِدَ حَالَ كَوْنِهِمْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، وَذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ وُجُوهًا:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَإِنْكَارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ، فَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِكُلِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ كُفْرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثَّانِي: قَالَ السُّدِّيُّ: شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، هُوَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إِذَا قِيلَ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ: نَصْرَانِيٌّ وَالْيَهُودِيُّ يَقُولُ يَهُودِيٌّ وَعَابِدُ الْوَثَنِ يَقُولُ: أَنَا عَابِدُ الْوَثَنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ إِنَّمَا يَتَقَرَّرُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغُلَاةَ مِنْهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ كَفَرْنَا بِدِينِ مُحَمَّدٍ وَبِالْقُرْآنِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً يَقُولُونَ لَا نَطُوفُ عَلَيْهَا بِثِيَابٍ عَصَيْنَا اللَّه فِيهَا، وَكُلَّمَا طَافُوا شَوْطًا سَجَدُوا لِلْأَصْنَامِ، فَهَذَا هُوَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. السَّادِسُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّسُولِ بِالْكُفْرِ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا التَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[التَّوْبَةِ: ١٢٨] قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْوَجْهُ عُدُولٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ لَوْ تَعَذَّرَ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
أَمَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَمْ يَجُزِ الْمَصِيرُ إِلَى هَذَا الْمَجَازِ. وَأَقُولُ: لَوْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ مِنْ قَوْلِكَ: زَيْدٌ نَفِيسٌ وَعَمْرٌو أَنْفَسُ مِنْهُ، لَصَحَّ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ عُدُولٍ فِيهِ عَنِ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ قَالَ: أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَالْمُرَادُ مِنْهُ: مَا هُوَ الْفَصْلُ الْحَقُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهُمْ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، مِثْلُ إِكْرَامِ الْوَالِدَيْنِ، وَبِنَاءِ الرِّبَاطَاتِ، وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ عِقَابَ كُفْرِهِمْ زَائِدٌ عَلَى ثَوَابِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَبْقَى لِشَيْءٍ مِنْهَا أَثَرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالتَّعْظِيمِ مَعَ الْكُفْرِ وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْإِحْبَاطِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِرَارًا فَلَا نُعِيدُهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِهِمْ مُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ لَا يَبْقَى مُخَلَّدًا فِي النَّارِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَفِي النَّارِ/ هُمْ خالِدُونَ يُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لَا غَيْرُهُمْ، ولما كان هذا الكلام وارد فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، ثَبَتَ أَنَّ الْخُلُودَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِلْكَافِرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْخُلُودَ فِي النَّارِ جَزَاءً لِلْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا لِغَيْرِ اللَّه لَمَا صَحَّ تَهْدِيدُ الْكَافِرِ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، بَيَّنَ أَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِهَذَا الْعَمَلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتٍ أَرْبَعَةٍ:
الصِّفَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِيمَانِ باللَّه لِأَنَّ الْمَسْجِدَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعْبَدُ اللَّه فِيهِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا باللَّه، امْتَنَعَ أَنْ يَبْنِيَ مَوْضِعًا يُعْبَدُ اللَّه فِيهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا تُفِيدُ فِي الْقِيَامَةِ، فَمَنْ أَنْكَرَ الْقِيَامَةَ لَمْ يَعْبُدِ اللَّه، وَمَنْ لَمْ يَعْبُدِ اللَّه لَمْ يَبْنِ بِنَاءً لِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّه؟
قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا ادَّعَى رِسَالَةَ اللَّه طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ وَالْمُلْكِ، فَهَهُنَا ذَكَرَ الْإِيمَانَ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَرَكَ النُّبُوَّةَ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَطْلُوبِي مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ لَيْسَ إِلَّا الْإِيمَانَ بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ، فَذَكَرَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ وَحَذَفَ ذِكْرَ النُّبُوَّةِ تَنْبِيهًا لِلْكُفَّارِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَطْلُوبَ لَهُ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّلَاةَ، وَالصَّلَاةُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ النُّبُوَّةِ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ، وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، ثُمَّ الْمَعْهُودُ السَّابِقُ مِنَ الصَّلَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ إِلَّا الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَ أَتَى بِهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ ذِكْرُ الصَّلَاةِ دَلِيلًا عَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَأَقامَ الصَّلاةَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ إِقَامَةُ الصَّلَوَاتِ، فَالْإِنْسَانُ مَا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ امْتَنَعَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ.
الصِّفَةُ الثالثة: قوله: وَآتَى الزَّكاةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحُضُورُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُقِيمًا لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ فِي الْمَسْجِدِ فَتَحْصُلُ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ بِهِ، وإذا
كَانَ مُؤْتِيًا لِلزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ فِي الْمَسْجِدِ طَوَائِفُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لِطَلَبِ أَخْذِ الزَّكَاةِ فَتَحْصُلُ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ بِهِ. وَأَمَّا إِذَا حَمَلْنَا الْعِمَارَةَ عَلَى مَصَالِحِ الْبِنَاءِ فَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ مُعْتَبَرٌ فِي هَذَا/ الْبَابِ أَيْضًا لِأَنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَاجِبٌ وَبِنَاءَ الْمَسْجِدِ نَافِلَةٌ، وَالْإِنْسَانُ مَا لَمْ يَفْرَغْ عَنِ الْوَاجِبِ لَا يَشْتَغِلُ بِالنَّافِلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَدِّيًا لِلزَّكَاةِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ.
وَالصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَنَى فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَسْجِدًا وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَالْكَفَّارُ يُؤْذُونَهُ بِسَبَبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ تِلْكَ الْحَالَةَ، يعني إنا وَإِنْ خَافَ النَّاسُ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَخْشَاهُمْ وَلَكِنَّهُ يَبْنِي الْمَسْجِدَ لِلْخَوْفِ مِنَ اللَّه تَعَالَى. الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْجِدَ لَا لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَأَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلَانًا يَبْنِي مَسْجِدًا، وَلَكِنَّهُ يَبْنِيهِ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ رِضْوَانِ اللَّه تَعَالَى وَلِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ دِينِ اللَّه.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ وَالْمُؤْمِنُ قَدْ يَخَافُ الظَّلَمَةَ وَالْمُفْسِدِينَ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْخَشْيَةِ الْخَوْفُ وَالتَّقْوَى فِي بَابِ الدِّينِ، وَأَنْ لَا يَخْتَارَ عَلَى رِضَا اللَّه رِضَا غَيْرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَيْ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الأربعة وكلما إِنَّما تُفِيدُ الْحَصْرَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ فُضُولُ الْحَدِيثِ وَإِصْلَاحُ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا.
وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ يَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا ذِكْرُهُمُ الدُّنْيَا وَحُبُّ الدُّنْيَا لَا تُجَالِسُوهُمْ، فَلَيْسَ للَّه بِهِمْ حَاجَةٌ»
وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ الْحَشِيشَ»
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَالَ اللَّه تَعَالَى: «إِنَّ بُيُوتِي فِي الْأَرْضِ الْمَسَاجِدُ وَإِنَّ زُوَّارِي فِيهَا عُمَّارُهَا طُوبَى لِعَبْدٍ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ زَارَنِي فِي بَيْتِي فَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ»
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ اللَّه تَعَالَى»
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ»
وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَسْرَجَ فِي مَسْجِدٍ سِرَاجًا لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ وحملة العرش يستغفرون له مادام فِي الْمَسْجِدِ ضَوْؤُهُ» وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ نَقَلَهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ».
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ قَالَ: فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ:
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: (عَسَى) مِنَ اللَّه وَاجِبٌ لِكَوْنِهِ مُتَعَالِيًا عَنِ الشَّكِّ والتردد. الثاني: قال أبو مسلم: فَعَسى هاهنا رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَادِ وَهُوَ يُفِيدُ الرَّجَاءَ فَكَانَ الْمَعْنَى إِنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الطَّاعَاتِ إِنَّمَا يَأْتُونَ بِهَا عَلَى رَجَاءِ الْفَوْزِ بِالِاهْتِدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السَّجْدَةِ: ١٦] وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْفَوْزِ بِالثَّوَابِ، لِأَنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِقَيْدٍ/ مِنَ الْقُيُودِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حُصُولِ الْقَبُولِ. وَالثَّالِثُ:
وَهُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ تَبْعِيدُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ مَوَاقِفِ الِاهْتِدَاءِ، وَحَسْمُ أَطْمَاعِهِمْ فِي الِانْتِفَاعِ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي اسْتَعْظَمُوهَا وَافْتَخَرُوا بِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَضَمُّوا إِلَى إِيمَانِهِمُ الْعَمَلَ بِالشَّرَائِعِ وَضَمُّوا إِلَيْهَا الْخَشْيَةَ مِنَ اللَّه، فَهَؤُلَاءِ صَارَ حُصُولُ الِاهْتِدَاءِ لَهُمْ دَائِرًا بَيْنَ- لَعَلَّ وَعَسَى- فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَقْطَعُونَ بِأَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وَيَجْزِمُونَ بِفَوْزِهِمْ بِالْخَيْرِ مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَى وَفِي هَذَا الْكَلَامِ وَنَحْوِهِ لُطْفٌ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي ترجيح الخشية على الرجاء.
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي