ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون( ١٧ ) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين( ١٨ )
للتناسب والاتصال بين هاتين الآيتين ( وما بعدهما إلى الآية ٢٢ ) وما قبلهما وجه وجيه واضح، وإن غفل عنه الرازي وأبو السعود وأمثالهما ممن يعنون بالغوص على التناسب بين الآيات، وهاك بيانه :
قال الله تعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين [ آل عمران : ٩٦ ] وقال : وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود [ البقرة : ١٢٥ ]، وقص علينا تعالى في سورة البقرة خبر بناء إبراهيم وإسماعيل لهذا البيت وما كانا يدعوان به عند رفع قواعده من جعلهما مسلمين ومن ذريتهما أمة مسلمة له، وبعث رسول منهم يتلو عليهم آياتهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءهما كله فكان من ذريتهما أمة مسلمة موحدة له تعالى تقيم دينه في بيته وفي غيره كما أمر، ثم طال عليهم الأمد فطرأت عليهم الوثنية، وترك جماهيرهم ملة إبراهيم الحنيفية، حتى بعث فيهم منهم محمدا رسول الله وخاتم النبيين، تكملة لدعوة جده إبراهيم، فقاوم المشركون دعوته، وصدوه ومن آمن به عن المسجد الحرام وأخرجوهم من ديارهم بجواره، ثم ما زالوا يقاتلونهم في دار هجرتهم إلى أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ومكنهم من فتح مكة، وأدال للتوحيد من الشرك، وللحق من الباطل.
فلما زالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام، وطهره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي أن يطهره من العبادة الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه، وأن يبين لهم الوجه في كون المسلمين أحق به منهم، فلما آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليا كرم الله وجهه أن يتلو أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم في يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، كان من مقاصد هذا البلاغ العام أن يعلموا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام بالتبع لزوال ولايتهم العارضة عليه، فكان علي وأعوانه ينادون في يوم النحر بمنى : لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وإنما أمهلهم إلى موسم السنة التالية لفتح مكة لسببين فيما يظهر :
أحدهما : أنه كان فيهم أصحاب عهد مع المسلمين من قبل الفتح، كان من شروطه أن لا يمنع من المسجد الحرام أحد من الفريقين، والوفاء بالعهد من أهم أحكام الإسلام فأمهلهم إلى انقضاء عهودهم بنبذ ما جاز نبذه، وإتمام ما وجب إتمامه، ولم يمكن إعلامهم بذلك إلا في موسم السنة التاسعة كما أمر الله تعالى.
وثانيهما : أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم في موسمي العامين الثامن والتاسع بدون قتال في أرض الحرم ؛ لأنهم كانوا بمقتضى التقاليد يأتون للحج من كل فج وهم، كثيرون ولا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم، ولا المعاهد وغير المعاهد، إلا بعد وصولهم إلى البيت، وشروعهم في الطواف فيه، فكيف السبيل إلى منع المشرك منهم بعد ذلك بغير قتال فيه فضلا عن سائر الحرم، والقتال محرم فيه ؟
وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : إنها أحلت له ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده ؟ فعلم من هذا أن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام، وإبطال ما كان المشركون يدعونه ويفخرون به من حق عمارته الحسية، وإيئاسهم من الاشتراك فيها، كان يتوقف على ما ذكر من نبذ عهودهم، ومن العدل الواجب في الإسلام إعلامهم بذلك قبل تنفيذه بزمن طويل يكفي لعلم الجماهير منهم به، وهذا المنع هو ما تضمنته هاتان الآيتان على أكمل وجه، وفسره علي كرم الله وجهه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم من الجهة الخاصة، فحسن أن يوضع هو وما يتلوه بعد آيات ذلك النبذ والأذان، وما تلاه من التهديد بالقتال بعد عود حالته إلى ما كانت عليه قبل العهود، وهو المقصود بالذات بقسميه السلبي والإيجابي. وسيأتي النهي عن تمكينهم من القرب من المسجد الحرام أيضا في الآية ( ٢٨ )
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله بعد أن بين عدم استحقاق المشركين لعمارة مساجد الله أثبتها للمسلمين الكاملين، وجعلها مقصورة عليهم بالفعل لا بمجرد الشأن والاستحقاق، وهو الذي يقتضيه مقام الإيجاب، وهم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الحق الذي بينه في كتابه من توحيده وتنزيهه واختصاصه بالعبادة والاستعانة والتوكل، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ويجزي كل نفس ما كسبت، وبين إقامة الصلاة المفروضة بأركانها وآدابها وتدبر تلاوتها وأذكارها التي تكسب مقيمها مراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والإنابة إليه، وإعطاء زكاة الأموال -من نقد وزرع وتجارة لمستحقيها من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم ممن يأتي ذكرهم في هذه السورة- وبين خشية الله دون غيره ممن لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وسائر ما عبد من دون الله خوفا من ضرره، أو رجاء في نفعه، فالمراد بالخشية الديني منها دون الغريزي، كخشية أسباب الضرر الحقيقية، فإن هذا لا ينافي خشية الله، ولا يقتضي خشية الطاغوت. والدليل عليها طاعة الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه، رضي الناس أم سخطوا.
فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أي فأولئك الجامعون لهذه الخمس من أركان الإيمان والإسلام التي يلزمها سائر أركانها هم الذين يرجون بحق- أو يرجى لهم بحسب سنن الله في أعمال البشر وتأثيرها في إصلاحهم- أن يكونوا من جماعة المهتدين إلى ما يحب الله ويرضى من عمارة مساجده حسا ومعنى، واستحقاق الجزاء عليها بالجنة خالدين فيها، دون غيرهم من المشركين الجامعين لأضدادها - من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله- الذين دنسوا مسجده الحرام بالأصنام، والاستقسام بالأزلام، وصدوا المسلمين عن الحج والاعتمار والصلاة فيه، ولم تكن صلاة هؤلاء المشركين عنده إلا مكاء وتصدية كعبث الأطفال، وكانوا ينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام، وتقدم في هذا المعنى من سورة الأنفال، فشرور هؤلاء وضلالهم وطغيانهم التي هي لوازم الشرك تحبط كل عمل حسن عملوه كما تقدم.
كلمة عسى تفيد الرجاء دون القطع، وقال الواحدي وغيره : إنها للتقريب والإطماع، ثم استعملت بمعنى «لعل » أي للرجاء. وقال سيبويه : لعل كلمة ترجية وتطميع، أي للمخاطب بها. فالرجاء هنا ما يكون للمتصفين بما ذكر من الأمور الخمسة من الأمل والطمع بالفعل أو الشأن في الوصول إلى مقام المتقين الكاملين بالثبات عليها، وما يترتب عليه من الثواب كما قررناه، ولا يصح هنا كون الرجاء من الله عز وجل، فإنه هو الذي يُرجى ولا يرجو، وحقيقة الرجاء ظن بحصول أمر وقعت أسبابه واتخذت وسائله من مبتغيه، ولم يبق لحصوله إلا أن تكون وقعت على وجهها المؤدي إلى الغاية، وأن لا تعارضها الموانع التي تكون راجحة على المقتضي، كالزارع يحرث الأرض ويبذر الحب في الوقت المناسب ويتعاهد زرعه بما يحتاج إليه من عذق وسقي وسماد فيكون من المظنون الراجح أن يأتي بثمرة طيبة، ولكن لا يمكن القطع بذلك لما يخشى من وقوع الجوائح المهلكة له مثلا.
وكذلك من يطيع الله تعالى بفعل المستطاع مما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنه حقيق بأن يرجو بذلك تزكية نفسه ورفعها إلى مقام المتقين أولياء الله تعالى، وما يترتب على ذلك من مثوبته ورضوانه في دار كرامته، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك لما يخشى على نفسه من التقصير وشوائب الرياء والسمعة، أو عدم الثبات على الطاعة حتى يموت عليها، وغير ذلك مما يحبط الأعمال أو يمنع من قبولها، والخير للمؤمن أن يكون بين الخوف الذي يصده عن التقصير، والرجاء الذي يبعثه على التشمير، وأن يرجح الخوف في حال الصحة والرجاء في حال المرض، ولا سيما مرض الموت. ومن أراد نعيم الآخرة ولم يسع لها سعيها الذي جعله الله سببا لها فهو من الحمقى أصحاب الأماني، لا من أصحاب الرجاء، فهو كمن أحب أن تنبت له أرضه غلة حسنة كثيرة ولم يزرعها الخ. فسنة الله في الدنيا والآخرة واحدة كما قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.
ومن قال : إن عسى هنا وعد من الله تعالى، قالوا : إنها منه تعالى للإيجاب والقطع، وهو منزه عن التوقع والظن وعن الإطماع في الشيء وإخلافه بعد تقريبه. ورووا هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه في الآيات الصريحة في وعد الله تعالى وخبره. كقوله تعالى : فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده [ المائدة : ٥٢ ] وقوله : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة [ الممتحنة : ٧ ]، فكل من هذين وعد قطعي عنده تعالى، فعلى هذا تكون نكتة التعبير عنه بعسى إبهامه، وعدم إعلام المخاطبين بالوقت الذي يقع فيه، ومن أمعن النظر رأى أن هذا قد يرجع إلى ما فسرنا به عسى هنا، وهو أن كلا من الإتيان بالفتح أو أمر آخر يترتب عليه ندم المشركين، ومن وقوع المودة بين المؤمنين ومن عادوهم من المشركين قريب الوقوع، فهو مرجو ومتوقع في نفسه بوقوع أسبابه ومقدماته، فينبغي أن يعدوا له عدته ويحسبوا له حسابا في معاملتهم، وفي معنى هذا ما اختاره شيخنا من أن معنى لعل في كلام الله تعالى الإعداد لمتعلقها، وتقدم تفصيله( راجع ج١ تفسير ).
وقد استشكل بعضهم وصف عمار المساجد بإيتاء الزكاة ؛ لأنه ليس من الأعمال التي تشرع في المساجد، وأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد، فتحصل به عمارة المسجد، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضا ؛ لأن إيتاء الزكاة واجب، وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة، والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد اه بنصه.
والذي نراه أن المراد بهذه الصفات بيان الإسلام الكامل الذي يقوم أهله بعمارة المساجد الحسية والمعنوية بالفعل، كما أنهم هم أصحاب الحق فيها، وهذه أسسه التي دعا إليها جميع رسل الله تعالى وعليها مدار النجاة كما قال تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ البقرة : ٦٢ ]، وقد ذكر هنا من العمل الصالح أعظم أركانه التي كان المشركون مجردين منها، واشترط في صحة إسلامهم قبولها كلها أو ما عدا الباطن منها وهو الخشية كما تقدم، وهي الصلاة أعظم العبادات البدنية الروحية الاجتماعية، والزكاة أعظم العبادات المالية الاجتماعية، وخشية الله وحده أعظم ثمرات الإيمان والعبادات النفسية، ولم يذكر الإيمان بالرسل لأن رسالتهم وسيلة إلى هذه المقاصد ولا تحصل على الوجه الصحيح بدونها فهي تستلزمها، وإقامة الصلاة تتوقف عليها لأن الشهادتين من فرائضها، ومن كلمات الأذان لها.
وقول الرازي : إن مانع الزكاة لا يبني المساجد حق، كقول بعض الناس : إن الذي يزكي لا يسرق، وإنما يصح هذا وذاك فيمن يعمل عمله خالصا لوجه الله، ولكن من الناس من يبني مسجدا بالمال الحرام وهو لا يصلي، وإنما يبنيه رياء وسمعة، أو ليجعل فيه أو في قبة بجانبه قبرا له يذكر به اسمه من بعده، ومنهم من يتصدق على الفقراء ويساعد الجمعيات الخيرية والعلمية بالمال الحرام ويأكل الحرام، ولا يؤدي جميع ما يجب عليه من الزكاة، لأنه مراء يبتغي بإنفاقه السمعة والصيت الحسن، لا مثوبة الله ومرضاته.
وقد ورد في عمارة المساجد الحسية والمعنوية أحاديث كثيرة منها في المعنى الأول ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه أنه لما بني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بني لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة )١، وهو يدل على أن توسيع المسجد كابتدائه.
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا ( من بنى لله مسجدا - ولو كمفحص قطاة لبيضها- بنى الله له بيتا في الجنة )٢، وسنده صحيح، وروي مثله بدون وصف للمسجد، وروي بلفظ ( بنى الله له بيتا أوسع منه )، وبألفاظ أخرى.
وروى أحمد والترمذي –وصححه- من حديث سمرة بن جندب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها٣، وفي معناه من حديث عائشة ( وأن تطيب ).
وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه أن امرأة كانت تقمُّ المسجد- أي تكنسه- فماتت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل له : ماتت. فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها ؟ ) أي أعلمتموني بموتها لأصلي عليها ( دلوني على قبرها )، فأتى قبرها فصلى عليها٤.
وفي الصحيحين وبعض السنن أيضا أن البزاق في المسجد خطيئة٥، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في المسجد فحكها ورؤي الغضب في وجهه، ونهى عن ذلك٦. فإزالة القذر من المساجد وتطهيره واجب، وإتباع أثر القذر بالطيب مستحب.
ومنها في المعنى الثاني ما رواه الشيخان وأصحاب السنن -إلا النسائي- من حديث أبي هريرة مرفوعا :« صلاة الجميع وفي رواية الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ وأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يؤذ بحدث »٧، أي بحدث له رائحة كريهة. ومنه رائحة الثوم والبصل ونحوهما كالدخان المعروف في هذا الزمان، فقد روى أحمد والشيخان من حديث جابر مرفوعا ( من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )٨، واستدل العلماء به على منع من أكل الثوم ونحوه من دخول المسجد، وإن لم يكن فيه أحد، إلا أن يزيل الرائحة قبل ذلك، والظاهرية يحرمون أكل ما ذكر ؛ لأنه يمنع من صلاة الجماعة وهي عندهم فرض عين كالحنابلة، والصواب أن فرضيتها لا تقتضي تحريم ما ذكر مطلقا ؛ لأنه يمكن أكلها في الأوقات التي لا جماعة فيها كأول النهار وبعد العشاء، إذ تزول الرائحة في الغالب قبل الظهر في الحالة الأولى وقبل الفجر في الثانية، ويمكن إزالتها قبل ذلك بتنظيف الفم بالسواك ونحوه، وأكل بعض الأشياء المعطرة كأقراص النعنع المعروفة في هذا الزمن وغيرها من الحبوب العطرية التي تمتص لتطييب الفم.
وجماهير أئمة السلف والخلف على إباحة أكل الثوم والبصل. ومن أدلتهم ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيها خضرات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال :( قربوها )، [ وأشار ] إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال :( كل، فإني أناجي من لا تناجي )٩، وفي بعض الروايات عند مسلم وغيره أن

١ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٥، ومسلم في المساجد حديث ٢٤، ٢٥، والمسافرين حديث ١٠٣، والزهد حديث ٤٣، ٤٤، وأبو داود في التطوع باب ١، والترمذي في الصلاة باب١٢٠، ١٨٩، ٢٠٤، والنسائي في المساجد باب ١، وقيام الليل باب ٦٦، ٦٧، وابن ماجه في الإقامة باب ١٠٠، ١٨٥، والمساجد باب ١، ٩، والتجارات باب٤٠، والدارمي في الصلاة باب ١١٣، وأحمد في المسند ١/ ٢٠، ٥٣، ٦١، ٧٠، ٢٤١، ٢/ ٢٢١، ٢٩٦، ٣٨٦، ٤١٣، ٤٩٨، ٦/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٤٢٦، ٤٢٨، ٤٦١..
٢ ـ أخرجه ابن ماجه في المساجد باب ١، وأحمد في المسند ١/ ٢٤١..
٣ ـ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧..
٤ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٧٤، ومسلم في الجنائز حديث ٧١، وابن ماجه في الجنائز باب ٣٢..
٥ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٧، ومسلم في المساجد حديث ٥٥، ٥٧، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والترمذي في الجمعة باب ٤٩، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٣/ ٢٣٢، ٢٧٤، ٢٧٧..
٦ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩، والأذان باب ٩٤، والعمل في الصلاة باب١٢، والأدب باب ٧٥، ومسلم في المساجد حديث ٥٠ ـ ٥٣، والزهد حديث ٤، وأبو داود في الصلاة باب ٢٢، والنسائي في المساجد باب ٣٢، ٣٥، وابن ماجه في المساجد باب ١٠، والإقامة باب ٦١، والدارمي في الصلاة باب ١١٦، وأحمد في المسند ٢/ ٦، ١٨، ٢٩، ٣٢، ٣٤، ٥٣، ٧٢، ١٤١، ٢٥٠، ٤١٥، ٣/ ٦، ٩، ٢٣٨، ٢٥٢، ٦/ ١٤٨..
٧ ـ أخرجه البخاري في الصلاة باب ٨٧، والأذان باب ٣٦، والبيوع باب ٤٩، وبدء الخلق باب ٧، ومسلم في المساجد حديث ٢٧٢، ٢٧٣، وأبو داود في الصلاة باب ٢٠، وابن ماجه في المساجد باب ١٤، ١٩، ومالك في السفر حديث ٥٢، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥٢، ٣١٩، ٤٨٦، ٥٣٢، ٥٣٣..
٨ ـ أخرجه مسلم في المساجد حديث ٧٤، والترمذي في الأطعمة باب ١٣، والنسائي في المساجد باب ١٦..
٩ ـ أخرجه البخاري في الاعتصام باب ٢٤، ومسلم في المساجد حديث ٧٣، وأبو داود في الأطعمة باب ٤٠..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير