مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ( ١٧ ) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( التوبة : ١٧-١٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن فتح المسلون مكة وأدال الله للتوحيد من الشرك وللحق من الباطل، وزالت ولاية المشركين عن المسجد الحرام وطهّره الرسول صلى الله عليه وسلم مما كان فيه من الأصنام، بقي عليه أن يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يأتونها فيه ويبين لهم أن المسلمين أحق به منهم، ومن ثم آذنهم بنبذ عهودهم وأمر عليّا أن يتلو عليهم أوائل سورة براءة على مسامع وفودهم يوم الحج الأكبر من سنة تسع للهجرة، وكان مما يتضمنه هذا البلاغ العام أن يعملوا أن عبادتهم الشركية ستمنع من المسجد الحرام بعد ذلك العام، فنادى عليّ وأعوانه في يوم النحر بمنى :( لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ).
وإنما أمهلهم هذا العام من قبل أن فيهم أرباب عهد مع المسلمين، وكان من شروطه ألا يمنع أحد الفريقين الآخر من دخول المسجد الحرام- إلا أنه كان يتعذر منع من لا عهد لهم بدون قتال في أرض الحرم، إذ لا يمكن التمييز بين المشرك والمسلم ولا المعاهد من غيره إلى بعد وصولهم إلى البيت وشروعهم في الطواف فيه.
لهذا كله ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود وإعلام جماهيرهم به قبل تنفيذه بزمن منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا.
روي عن ابن عباس أنه قال : لما أُسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له علي في القول، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال عليّ كرّم الله وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فأنزل الله : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله الآية.
الإيضاح :
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله أي إن المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الذي بيّنه في كتابه من توحيده واختصاصه بالعبادة والتوكل عليه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده ويجزي كل نفس مع كسبت، مع إقامة الصلاة المفروضة على وجه جامع أركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، وبذا تُكسب من يقيمها مراقبة ربه وخشيته والخشوع إليه، وإعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، وخشية الله دون غيره مما لا ينفع ولا يضر كالأصنام وغيرها مما عبد من دون الله خوفا من ضرره أو رجاء نفسه.
فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أي فأولئك الذين يجمعون بين الأركان الهامة من أركان الإسلام هم الذين يرجون أن يكونوا من المهتدين إلى ما يحب الله ويرضيه من عمارة المساجد حسا ومعنى بحسب سننه تعالى في أعمال البشر وتأثيرها في نفوسهم، وبذا يستحقون عليها الجزاء في جنات النعيم، لا أولئك المشركون الذين يجمعون بين أضدادها من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإسلام.
هذا : وقد ورد في عمارة المساجد أحاديث كثيرة، فقد روى الشيخان والترمذي عن عثمان رضي الله عنه أنه لما بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامه الناس قال : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا :( من بنى لله مسجدا ولو كمَفْحَص- الموضع الذي تفحص التراب عنه وتكشفه لتبيض فيه- قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة ).
وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجة : أن امرأة كانت تقُمُّ المسجد- تكنسه- فماتت، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له ماتت، فقال :( أفلا كنتم آذنتموني بها لأصلي عليها دُلوني على قبرها ) فأتى قبرها فصلى عليها.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) وتلا إنما يعمر مساجد الله الآية.
تفسير المراغي
المراغي