ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر وأقام الصلوة وءاتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ( ١٨ ) [ التوبة : ىية ١٨ ].
[ المقرر ] (١) عند علماء العربية أن ( إنما ) أداة حصر وإثبات. يعني : إنما يعمر مسجد الله العمارة المعنوية بالعبادات وذكر اسم الله فيها، والعمار الحسية، من بنائها وترميمها، هذا كله من شأن المؤمنين، لا من شأن الكفار، وهذا قوله : إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله . ( من ) فاعل قوله يعمر الذي آمن بالله هو الذي يعمر مساجد الله، لا الكافر الذي عمله ضد لما بنيت له المساجد، فهذا تناقض لا يمكن أن يكون عامرا للمساجد، وعمله ضد ما بنيت له المساجد، وهذا معنى قوله : إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله أي : صدق به ( جل وعلا ) وبكل ما يجب التصديق.
واليوم الأخر هو يوم القيامة. وجرت العادة أن الله يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان ؛ لأن الكفر باليوم الآخر سبب لكل البلايا وأنواع الكفر والجحود ؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين : هما : جلب النفع، ودفع الضر، والذي لا يصدق بيوم القيامة لا يرغب في خير في ذلك اليوم، ولا يخاف من شر في ذلك اليوم، فلا ينزجر عن شيء، ولا يرعوي عن شيء ؛ ولذا كان التكذيب بالبعث من أشنع أنواع الكفر بالله ( جل وعلا ) وقد صرح الله بأن المكذبين بالبعث والشاكين فيه من حطب جهنم في آيات كثيرة كقوله : وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا [ الفرقان : آية ١١ ] وقوله في المنكرين للبعث : وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا إنا لفي خلق جديد استفهام إنكار منهم في الخلق الجديد بعد الموتة الأولى، قال الله : أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلل في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خلدون [ الرعد : آية ٥ ]. وهذا معنى قوله : إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر وأقام الصلوة يعني : الصلوات المكتوبات الخمس. وءاتى الزكوة الحقوق الواجبة في الأموال كما بيناه مرارا.
فعسى أولئك جماهير العلماء يقولون :( عسى ) من الله واجبة (٢) لأن الله كريم لا يطمع في شيء إلا هو فاعله لشدة كرمه ( جل وعلا ) أن يكونوا من المهتدين أي : السالكين طريق النجاة والصواب الموصلة إلى الجنة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) أنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " (٣) لأن الله يقول : إنما يعمر مسجد الله من آمن بالله [ التوبة : آية ١٨ ] وقال أبو بكر بن العربي في الكلام على هذا الحديث في قوله : " فاشهدوا له بالإيمان " اشهدوا له شادة ظاهرة ؛ لأن فعله يدل عليها، وتعاهد المساجد يدل على إيمانه ظاهرا كما دل عليه قوله : إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله أما حقيقة الباطن فهي عند الله جل وعلا. وهذا معنى قوله : إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر وأقام الصلوة وءاتى الزكوة .
وقوله : ولم يخش إلا الله لم يخف أحدا إلا الله. وفي هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن سؤال معروف، وهو أن يقال : لا يوجد أحد إلا هو يخشى من غير الله، ويخاف من غير الله ؛ لأن كل المخاوف والمحاذير جبلت طبائع البشر على الخوف والخشية منها، والذي لم يخش شيئا من المخاوف والمحاذر هذا أمر صعب.
والعلماء يجيبون عن هذا بجوابين (٤) :
بعضهم يقول : الخشية التي هي شرك بالله يحذر الله منها هي خشية الأصنام، والخوف من المعبودات من دون الله، وهذا النوع دلت عليه آيات كثيرة ؛ لأن عبدة الأصنام يخوفون من يسب الأصنام بأن الأصنام ستفعل له وتفعل، كما قالوا لنبي الله هود : إن نقول إلا اعترك بعض ءالهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون ( ٥٤ ) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ( ٥٥ ) إني توكلت على الله الآية [ هود : الآيات ٥٤ - ٥٦ ] وكذلك لما خوفوا منها نبي الله إبراهيم ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) وقالوا له : سوف تفعل بك أصنامنا وتفعل، قال لهم : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطنا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( ٨١ ) [ الأنعام : آية ٨١ ] وخوفوا بها نبي الله ( صلوات الله وسلامه عليه )، كما نص الله عليه في سورة الزمر في قوله : ويخوفونك بالذين من دونه ثم قال ردا عليهم : أليس الله بكاف عبده [ الزمر : آية ٣٦ ] وفي القراءة الأخرى (٥) : بكاف عباده وهذا كثير في القرآن، فهذه الخشية التي يخاف صاحبها من عاقبة الأصنام هذا كفر بالله وشرك به.
وقال بعض العلماء : هي الخشية الدنيوية من الناس إذا كانت تحمل الإنسان على أن يعصي الله، كالذي يخشى من الكفار ويجبن عن الجهاد في سبيل الله، كما تقدم في قوله : أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين [ التوبة : آية ١٣ ] أما ما يعرض للإنسان من الخوف من الأشياء والمحاذير بجبلته فهذا أمر لا مؤاخذة به ؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها كما هو معلوم، وهذا معنى قوله : ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [ التوبة : آية ١٨ ].

١ في هذا الموضع انقطاع في التسجيل، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام..
٢ مضى عند تفسير الآية (١٢٩) من سورة الأنعام..
٣ أخرجه أحمد (٣/ ٦٨، ٧٦)، والدارمي (١/ ٢٢٢)، والترمذي في التفسير، باب: ومن سورة التوبة. حديث رقم: (٣٠٩٣) (٥/ ٢٧٧)، وابن ماجه في المساجد والجماعات، باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة. حديث رقم: (٨٠٢) (١/ ٢٦٣)، والبيهقي (٣/ ٦٦)، والحاكم (١/ ٢١٢، ٢/ ٣٣٢)، وابن حبان (الإحسان ٣/ ١١٠). وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٧٦٦)، وانظر: ضعيف ابن ماجه ص ٦٢، المشكاة (٧٢٣)، ضعيف الجامع (١/ ١٨٤)..
٤ انظر: القرطبي (٨/ ٩٠)..
٥ انظر: المبسوط لابن مهرن ص ٣٨٤..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير