ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم أنزل الله سكينته السكينة : فعيلة من السكون، ومعناها : الطمأنينة والأمنة المستوجبان لأكمل الثبات ثم أنزل الله سكينته [ التوبة : آية ٢٦ ] أي : أمنته من الخوف، وطمأنينته في القلوب المستوجبة لأكمل الثبات على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان على بغلته الشهباء ( دلدل ) يركضها إلى نحور العدو ويقول : " أقبلوا إلي عباد الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب " ١
وعلى المؤمنين أي : وأنزل سكينته أيضا على المؤمنين. قال بعض العلماء : المراد بالمؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم : من ثبتوا معه صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء : يدخل فيهم الذين رجعوا بعد الفرار والهزيمة وقاتلوا معه عدوه. والتحقيق : أن الله أنزل سكينته على الجميع، الذين بقوا معه ولم يفروا والذين رجعوا إليه.
واختلف العلماء فيمن بقي معه ولم ينهزم ٢، وكان بعض العلماء يقول : عشر رجال أو أحد عشر رجلا، وقد ذكرناهم بالأمس، ومن جملتهم : شيبة بن عثمان بن أبي طلحة كان يريد الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم فآمن في ذلك الوقت، وكان من الثابتين المقاتلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكثير من أصحاب المغازي يقولون : ثبت معه نحو مائة رجل أو ثمانين. وبعض العلماء يوفق بين القولين يقول : أما العشرة أو الأحد عشر فلم يتحركوا، وأما المائة أو الثمانون فهم الذين رجعوا بسرعة وحملوا على عدو النبي صلى الله عليه وسلم، ذكروا أن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) قتل ذلك اليوم أربعين رجلا بيده، وذكروا عن أبي طلحة أنه لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه " ٣ أنه قتل عشرين رجلا فأخذ أسلابهم، وكان علي ( رضي الله عنه ) ذلك اليوم هو الذي أسقط الجمل الذي عليه راية هوازن ؛ لأن رايتهم كانت عند رجل على رمح طويل راكب على جمل أحمر، يتقدم أمام الناس، فإذا أدرك الناس طعنهم بالرمح، وإذا فاتوه رفع لواءه على الرمح ليراه من بعده ! ! فابتدره علي ( رضي الله عنه ) ورجل من الأنصار فضرب علي الجمل على عرقوبيه فسقط على عجزه، فابتدر الأنصاري الرجل فأطن رجله بنصف ساقه وانجعف عن رحله ٤.
ثم إن الله قال : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها هذه الجنود هي الملائكة لم يرها المؤمنون ولكن الكفار رأوها، فذكر ابن عبد البر أنه روى من طرق كثيرة عن أولاد الذين كانوا من الكفار شهدوا حنينا عن آبائهم أنهم قالوا : لقينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما وقفوا لنا حلب شاة، فهزمناهم واتبعناهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء أو البغلة الشهباء رأينا رجالا بيضا على خيل بلق وقالوا لنا : " ارجعوا، شاهت الوجوه " ٥، وقد كان النبي قال أيضا هذه الكلمة " شاهت الوجوه انهزموا ". وجاء من روايات أخر أن مالك بن عوف النصري سيد هوازن أرسل عيونا يتجسسون له أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فجاؤوه وقد انخلعت أوصالهم. أي : كأن ما بين عظامهم متفكك. فقالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فما تمالكنا أن وقع بنا ما ترى ٦.
والله ( جل وعلا ) في هذا القرآن العظيم ذكر التأييد بجنود الملائكة في أربع سور من كتابه، في ثلاثة منها يقول : لم تروها وفي الرابعة لم يقل : لم تروها .
أما الثلاث التي قال فيها : لم تروها فمنها : الملائكة الذين نزلوا في غزوة الخندق – غزوة الأحزاب – الآتي ذكرهم في قوله تعالى : يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [ الأحزاب : آية ٩ ].
الثانية : الملائكة المنزلون في غزوة حنين هذه، المذكورون في قوله : ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها [ التوبة : آية ٢٦ ].
الثالثة : الملائكة الذين نزلوا بنبينا صلى الله عليه وسلم يوم دخل في الغار هو صاحبه، وسيأتي بط قصتهم – إن شاء الله – في هذه السورة الكريمة سورة براءة، وذلك في قوله : إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها [ التوبة : آية ٤٠ ] ففي هذه المواضع الثلاثة كلها يقيد ب ( لم تروها ) ( لم تروها ) لأنه ينزل ملائكة لا يراهم بنو آدم ؛ لأنهم ليسوا من شكلهم ولا من جنسهم حتى يروهم. وفي الموضع الرابع لم يقيد بقوله :( لم تروهم ) وهو الملائكة النازلون يوم بدر، المذكورون في الأنفال وآل عمران، حيث قال الله في الأنفال : إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنب معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق الآية [ الأنفال : آية ١٢ ]. وذكرهم أيضا في سورة آل عمران في قوله : ولقد نصركم الله ببدر.... إلى قوله : إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة ءالف من الملئكة منزلين ( ١٢٤ ) [ آل عمران : الآيتان ١٢٣، ١٢٤ ] وقد قدمنا في سورة الأنفال ٧ أن أظهر الأقوال أن الملائكة قاتلت يوم بدر، وأنها لم تقاتل في غيرها بل تأتي لتجبين الكفار وتقوية قلوب المؤمنين ونصرتهم، هذا هو الظاهر، وقد ذكر ( جل وعلا ) فرقا شاسعا بين من يفر في غزوة بدر كما تقدم في قوله : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله [ الأنفال : آية ١٦ ] بهذا التشديد العظيم، ولم يقل مثل هذا فيمن انهزم من الصحابة يوم أحد، ولا فيمن انهزم منهم يوم حنين ؛ لأن بعض الصحابة انهزموا يوم أحد، وبعضهم لم يرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطن ببعض ما كسبوا ثم قال : ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم [ آل عمران : آية ١٥٥ ] ثم قال هنا : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء [ التوبة : آية ٢٧ ] فأشار إلى أنه تاب عليهم من هزيمتهم. وهذا معنى قوله : وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وهم هوازن، عذابهم بأيدي المؤمنين حيث قتلوهم قتلا وجيعا وأسروهم وأخذوا أولادهم ونساءهم وأموالهم مصداقا لقوله : قتلوهم يعذبهم الله بأيدكم وخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ( ١٤ ) [ التوبة : آية ١٤ ] وعذب الذين كفروا الذين كانوا يقاتلون النبي وأصحابه كهوازن وذلك العذاب جزاء الكفرين [ التوبة : آية ٢٦ ] ثم الله تعالى قال : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء [ التوبة : آية ١٧ ] قال بعض العلماء : يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء يدخل فيه المنهزمون الذين انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من رجع منهم وكر ومن لم يرجع. قالوا : ويدخل فيه الكافرون الذين قال الله : وعذب الذين كفروا [ التوبة : آية ٢٦ ] لأن كثيرا منهم تابوا فتاب الله عليهم. وقد كان رئيس هوازن مالك بن عوف ( رضي الله عنه )، أسلم وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لما انهزمت هوازن راح مع فل الطائف – والفل هو بقية المنهزين – وتحصن بحصن الطائف، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم سرا : أنه إن قدم إليه رد إليه أهله وولده وأعطاه. فخاف إن أعلم ثقيفا بذلك أن يمنعوه، فأمر أن يرحل جمله في محل عينه لهم، ثم جاءنا مختفيا، وسار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما فأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد إليه أهله وولده، وأعطاه مائة من الإبل كما المؤلفين. وقد كان مالك بن عوف سيد هوازن مدح النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أشعاره، ومن ذلك قوله لما رد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رد له وأعطاه مائة من الإبل ٨ :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله *** في الناس كلهم بمثل محمد
هذا يمدحه به رئيس الذين كانوا أعداءه بالأمس يقاتلونه، رجع في هذا الزمن القريب إلى مدحه والثناء عليه هذا الثناء الجميل :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله *** في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي *** ومتى تشأ يخبرك عما في غد ٩
وإذا الكتيبة عردت أنيابها *** بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله *** وسط الهباءة خادر في مرصد
وهذا معنى قوله : وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكفرين [ التوبة : آية ٢٦ ] فقسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بعد أن رد إليهم أولادهم ونساءهم، قسم غنائمهم بالجعرانة في ذي القعدة عام ثمان – ثم إنه أحرم بعد أن قسمها بعمرة ١٠– من الهجرة.
وكانت في السبايا التي جيء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى، أمها حليمة السعدية، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، كانت تقول لهم : مهلا علي لا تزعجوني فإني أخت صاحبكم من الرضاعة، فلما جاءت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فسألها عن العلامة فقالت له : عضة عضضتنيها في كتفي وأنا متوركتك. فعرف صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وأكرمها غاية الإكرام، وخيرها أن تبقى معه محبة مكرمة أو أن يردها إلى أهلها ويمتعها. فاختارت الرد إلى أهلها فمتعها. كانوا يقولون : من جملة ما أعطاها جارية وغلاما، زوجت الغلام من الجارية، قالوا : وكان عقبهما فيهم لا يكاد ينقطع ١١. وهذا من كرمه ووفائه ( صلوات الله وسلامه عليه )، فإن الإنسان إذا استعرض شيئا من سيرته ( صلوات الله وسلامه عليه ) رأى العظمة الهائلة من الشجاعة الكاملة، والحلم الكامل، والكرم الكامل، والوفاء الكامل ( صلوات الله وسلامه عليه ). وهذا معنى

١ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأنعام..
٢ انظر: ابن هشام ص (١٢٨٩)، البداية والنهاية (٤/ ٣٢٦، ٣٣٠)، فتح الباري (٨/ ٢٩)، مرويات غزوة حنين (١/ ١٢٩ - ١٨٤)..
٣ مضى قريبا عند تفسير الآية (٢٥) من هذه السورة..
٤ أخرجه الواقدي (٣/ ٩٠٢)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٢٧)، والطبري في التاريخ (٣/ ١٢٨)، وذكره ابن هشام ص ١٢٨٩، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٢٦) وانظر: مرويات غزوة حنين (١/ ١٦٤)..
٥ أخرجه الطبري في التفسير (١٤/ ١٨٦، ١٨٨)، وذكره ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص ١٦٨، وانظر: مرزيات غزوة حنين (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩)..
٦ أخرجه الواقدي في المغازي (٣/ ٨٩٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٠٨)، والطبري في التاريخ (٣/ ١٢٧)، وذكره ابن هشام في السيرة، وابن القيم في الهدي (٣/ ٤٦٧)، وابن الأثير في الكامل (٢/ ١٧٨)..
٧ مضى عند تفسير الآية (٩) من سورة الأنفال..
٨ هذا الخبر مع الأبيات أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٨)، وأورده ابن هشام ص ١٣٤٣، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٦١). وانظر: مرويات غزوة حنين (٢/ ٤٦٩)..
٩ معلوم أنه لا يعلم ما في غد إلا الله تعالى..
١٠ عمرته صلى الله عليه وسلم بعد قسم غنائم حنين خرج حديثها البخاري في صحيحه، كتاب العمرة، باب: كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ حديث رقم: (١٧٧٨)(٣/ ٦٠٠)، وأخرجه في مواضع أخرى، انظر الأحاديث رقم: (١٧٧٩، ١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨)، ومسلم في الحج، باب بيان عدد النبي صلى الله عليه وسلم وزمانهن. حديث رقم: (١٢٥٣) (٢/ ٩١٦) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه..
١١ أخرجه الواقدي (٣/ ٩١٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٩٩، ٢٠٠)، والطبري في تاريخه (٣/ ١٣١)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٣٤٤)، وأورده ابن حزم في جوامع السيرة ص ٢٤٥، وابن هشام ص ١٣٠٦، وابن كثير في تاريخه (٤/ ٣٦٣) وابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٢٥٧)، (٧/ ١٦٧)، والكامل (٢/ ١٨٠)، والحافظ في الإصابة (٣/ ٤٥٦)، (٤/ ٣٤٤)، وانظر: مرويات غزوة حنين (١/ ٢٦٥)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير