قال الله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ التوبة : ٢٨ ].
وفيها ثلاث مسائل، هي :
المسألة الأولى : هل المشرك نجس العين ؟
المسألة الثانية : ما المراد بالمسجد الحرام ؟
المسألة الثالثة : حكم دخول المشركين المسجد الحرام.
المسألة الأولى :
[ ٢٢ ] هل المشرك نجس العين ؟
ذهب الإمام ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن المشرك نجس كله، ومنه : العرق، والدمع، واللعاب، ولبن المشركة إلا الكتابية ؛ فإنه طاهر.
والدليل قوله تبارك وتعالى :
إنما المشركون نجس [ التوبة : ٢٨ ].
وأيد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " إن المؤمن لا ينجس " (١)، (٢).
المسألة الثانية :
[ ٢٣ ] ما المراد ( بالمسجد الحرام ) ؟
يرى ابن حزم – رحمه الله تعالى – أن المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى :
فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم [ التوبة : ٢٨ ] أنه الحرم كله.
ويستدل ابن حزم على صحة هذا التأويل بعدم الاختلاف في كون المراد : الحرم كله. قال رحمه الله عند ذكره الآية :
( فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحرم كله )(٣).
وقال أيضا :( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (٤).
فصح أن الحرم كله هو المسجد الحرام )(٥).
المسألة الثالثة :
[ ٢٤ ] حكم دخول المشركين المساجد ؟
قال ابن حزم :
( ودخول المشركين في جميع المساجد : جائز، حاشا حرم مكلة كله – المسجد وغيره – فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي، وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة : لا بأس أن يدخله اليهودي، والنصراني، ومنع منه سائر الأديان، وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد.
قال الله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : ٢٨ ].
قال علي : فخص الله المسجد الحرام، فلا يجوز تعديه إلى غيره بغير نص، وقد كان الحرم قبل بنيان المسجد وقد زيد فيه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " (٦).
فصح أن الحرم كله هو المسجد الحرام.
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد بن أبي سعيد، سمع أبا هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له : ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما عندك يا ثمامة ؟ قال : عندي خير، يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت ؟ وذكر الحديث. وأنه عليه السلام أمر بإطلاقه في اليوم الثالث : فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد، والله : ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي )(٧) وذكر الحديث فبطل قول مالك )(٨).
٢ أخرجه البخاري (٢٨٣) في الغسل: باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس، ومسلم (٣٧١) في كتاب الحيض: باب الدليل على أن المسلم لا ينجس..
٣ المحلى (٥/١٤٩)..
٤ حديث صحيح: جاء من رواية عدد من الصحابة: منهم جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أخرجه البخاري (٣٣٥) في (كتاب التيمم: باب التيمم، ومسلم (٥٢١) في المساجد ومواضع الصلاة، ولفظه: ("عطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". وروى من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:
أخرجه مسلم (٥٢٢) في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، وأحمد (٥/٣٨٣)، وابن خزيمة (١/١٣٣)، وابن حبان (١٤/٣١٠) ولفظه: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" الحديث.
وروى أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه مسلم (٥٢٣)، وأحمد (٢/٤١٢)، والترمذي في السير: باب ما جاء في الغنيمة، بعد حديث (١٥٥٣)، وابن ماجة (٥٦٧) في الطهارة: باب ما جاء في التيمم، ولفظ الحديث، وهو لمسلم: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت الرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا..." الحديث. واقتصر ابن ماجة على الجملة الرابعة منه وروى أيضا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخرجه أحمد (١/٩٨)، والبيهقي (١/٢١٣) ولفظه: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء" فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا، وجعلت آمتي خير الأمم"..
٥ (المحلى) (٣/١٦٢)..
٦ سبق تخريجه..
٧ رجال الإسناد :
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد المستملي، راوي الصحيح عن الفربري، كان من الثقات المتقنين، طوف وسمع الكثير. مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة. (السير) (١٦/٤٩٢).
الفربري: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر، راوي الصحيح عن البخاري، كان ثقة ورعا، ومولده في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وتوفي سنة عشرين وثلاثمائة. (السير) (١٥/١٠-١٣).
عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعي، ثقة متقن، من أثبت الناس في الموطأ، من كبار العاشرة، مات سنة ثماني عشرة. (التقريب) [٣٧٤٥].
سعيد بن أبي سعد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين، وقيل قبلها، وقيل بعدها. (التقريب) [٢٣٣٤].
تخريجه: أخرجه البخاري (٤٣٧٢) في (كتاب المغازي): باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال ومسلم (١٧٦٤) في (الجهاد): باب ربط الأسير وحبسة)..
٨ (المحلى) (٣/١٦٢-١٦٣)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري