ومن بعد ذلك ينتقل سبحانه من المعاهدة التي انتهت مع ذوات الكفار إلى ذوات الكفار بأنفسهم، فيقول تبارك وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٨ ) .
أي : أنه لا يكفي أن يقطع المؤمنون كل عهودهم مع المشركين، بل لابد أن يبرؤوا أيضا من المشركين أنفسهم ؛ لأنهم نجس، والنجس هو الشيء المستقذر الذي تعافه النفس وتنفر منه، وقد يكون المشرك من هؤلاء مقبولا من ناحية الشكل والملبس، ولكن هذا هو القالب، والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم إنما يتكلم عن المعاني وعن الخلق. فالله عز وجل لا ينظر إلى القوالب، بل إلى القلوب، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه : " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم " ١.
فقد تكو الصورة مقبولة شكلا، لكن العقيدة التي توجد في قلوب تلك الأجساد قذرة ونجسة، وسبحانه لا يأخذ بالظاهر ولا بالصور، بل بالقيم. وأنت إذا ما نظرت إلى القيم وإلى العقائد الحقة الصادقة، تجد كل عقيدة تنبئ عن تكوين مادتها، وعلى سبيل المثال، حينما تكون فرحا، يتضح ذلك على أساريرك، ومن سيقابلك سيلحظ ذلك ويعرف أنك مبتهج، وإن كنت غاضبا أو تعاني من ضيق، فهذا يتضح على أساريرك.
إذن : فالمادة تنفعل بانفعال القيم، ومادامت القيم فاسدة فالمادة التي يتكون منها جسده تكون متمردة على صاحبها ؛ لأن المادة بطبيعتها عابدة مسبحة لله، وكذلك الروح بطبيعتها عابدة مسبحة لله تعالى، ولا ينشأ الفساد إلا بعد أن توضع الروح في المادة، ثم تتكون النفس من الاثنين معا، المادة والروح، فإن غلَّبت النفس منهج الله صارت مطمئنة، وإن تأرجحت النفس بين الطاعة والمعصية، فإما أن تطيع فتكون نفسا لوامة، وإما أن تكفر وتتخذ طريق الشر فتكون نفسا أمارة بالسوء. أما قبل أن تنفخ الروح في المادة، فكل منها مسبح لله تعالى ؛ لأن كل شيء في الوجود عابد مسبح، والنفس في كل سلوكها مقهورة لإرادة صاحبها بتسخير من الله عز وجل، وحين يأتي الموت، تنتهي الإرادة البشرية وتسقط سيطرة الإنسان على جسده، بل إن هذا الجسد يشهد على صاحبه يوم القيامة. والإنسان في الحياة الدنيا يعيش وإرادته تسيطر على مادته بأمر من الله، فاليد قد تضرب إنسانا، وقد تعين إنسانا آخر وقع في عسرة، ولسان المسلم يشهد أن لا إله إلا الله، ولسان الكافر يشرك مع الله آلهة أخرى.
إذن : فمادة الإنسان خاضعة لإرادة صاحبها في دنيا الأغيار، فإذا انتقل إلى الآخرة فلا تأثير له على المادة، وتحرر المادة من طاعة صاحبها في المعصية، وتتمرد عليه، وتشهد على صاحبها بأنه كان يستخدمها في المعصية.
والحق سبحانه وتعالى يقول :
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٢٠ ) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٢١ ) ( فصلت ).
فكأن جوارح الإنسان تقول له يوم القيامة : لقد أتعبتني في الدنيا وأكرهتني على فعل أشياء لم أكن لأفعلها لأنني عابدة مسبحة لله، وإنما أمرتني به يخرج عن طاعة الله عز وجل، وسبق أن ضربت المثل بقائد الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود، فإذا ما عادوا إلى القائد الأعلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه، كذلك أبعاض الجسم تشهد عليه عند خالقها يوم القيامة. فإن كنت عابدا مُسبِّحا كانت جوارحك معك. وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك ضدك، ، فاللسان مثلا عابد مسبح في ذاته، فإذا أكرهته على أن يشرك بالله فهو مُكرَهٌ في الدنيا، ويصير شاهدا عليك يوم القيامة.
والحق سبحانه وتعالى ينادي يومئذ قائلا :
لِّمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ( ١٦ ) ( غافر ).
وهنا يقول الحق عز وجل : إنّما المشركون نَجَسٌ أي : أن عقيدتهم الفاسدة تتضح على تصرفاتهم، وسبحانه وتعالى يربب المعاني الإيمانية في النفوس أي يزيدها، ومثال ذلك : نحن نرجم إبليس كمنسك من مناسك الحج نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان، ونحن لا نرى الشيطان، وقد وضعنا له رمزا وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ويجب أن نرجمه لنبتعد عن مراداته، وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسي ؛ لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان عدو لنا، وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر نرجمه بأن نبين لأنفسنا قضايا الإيمان الناصعة فيهرب منا. وكل منا عليه أن يتذكر الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة، ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه :
وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي ( إبراهيم : ٢٢ )وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه ؛ لأن السلطان إما سلطان القهر بأن تأتي لإنسان بما هو أكبر منه وتقهره على فعل شيء بالقوة، وإما سلطان الإقناع، بأن تقنع إنسانا بأن يفعل شيئا. والشيطان ليس له سلطان القهر والحجة.
والحق سبحانه وتعالى عندما يقول : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن نمنعهم من دخول الأماكن التي لا يدخلها إلا الإنسان الطاهر. وجعل الحق سبحانه وتعالى النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية، ولذلك قال العلماء : ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فلابد أن يكون فيهم نجس مادي، ولذلك إذا اقتربت منهم تجد رائحة غير طيبة، لأنهم لا يتطهرون من حدث، ولا يغتسلون من جنابة. وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا، لم نجد في البيوت حمامات ؛ لأن الواحد من المستعمرين لا يذهب إلى الحمام إلا كل عشرين يوما مثلا، لذلك جعلوا الحمامات بعيدا عن المساكن، ولكن بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات ؛ لأن الثقافة الإسلامية مبنية على الطهارة، ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل الإنسان الحمام تطهر، وكلما كان جنبا اغتسل.
ولقد قال البعض : لو أنني سلَّمت على مشرك ويده رطبة.. فلابد أن أغسل يدي٢. فإذا كانت يده جافة فيكفي أن أمسح على يدي. وفي هذا احتياط وتأكيد على اجتناب هؤلاء المشركين. وإذا كنا نجتنبهم أجسادا وقوالب، ألا يجدر بنا أن نجتنبهم قلوبا ؟.
وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين، وتساءل العلماء : هل الممنوع والمحرم اقتراب المشرك من المسجد الحرام، أم من الحرم كله ؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام. ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول : إن الحق سبحانه وتعالى قال : فلا يقرَبوا ولم يقل : فلا يدخلوا. وتحريم الاقتراب يعني ألا يكونوا قريبين منه، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك٣.
وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق، ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب. والغيب-كما عرفنا- هو ما يغيب عنك وعن غيرك، أما الشيء الذي يغيب عن غيرك فلا يكون غيبا، فإذا سرق منك مال مثلا فأنت لا تعرف من الذي سرق، والسارق في هذه الحالة غيب عنك، ولكنه ليس غيبا عن غيرك ؛ فالسارق يعرف نفسه ؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه، ومن رآه وستر عليه يعرفه. وأنت-أيضا- لا تعرف مكان المسروقات، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه.
إذن : فهي غيب عنك وليست غيبا عن غيرك. وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يُسخِّرون الجن، فمادام الشيء معروفا ومعلوما لغيرك من الناس ؛ فالكشف عنه مسألة سهلة، ولكنّ هناك غيبا عنك وعن غيرك، وهذا هو ما يفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه وتعالى :
عالم الغيب فلا يُظهر عل غيبه أحدا( ٢٦ ) إلاّ من ارتضى من رّسول... ( ٢٧ ) ( الجن ).
ولكن هناك غيب عن الناس جميعا، ولكنه لن يظل غيبا إلى آخر الزمان، فمثلا الكهرباء كانت غيبا واكتشفناها، وتفتيت الذرة كان غيبا وعرفناه، وقوانين الجاذبية كانت غيبا ثم دخلت في علم الإنسان فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده الله سبحانه وتعالى في قوله : عالم الغيب ، فهذا غيب يختص نفسه به، فلا تقل : إن فلانا يعلم الغيب، ولكن قل : إنَّه مُعلَّم غيب، والمسائل الغيبية : إما أن يحجبها الزمان أو يحجبها المكان، فالآثار المطمورة مثلا، تعبِّر عن شيء ماض واندثر، وفيه أخبار الأمم السابقة، ولا يعرفها أحد، وستره حجاب الزمن الماضي، إلى أن يتم الكشف عنها نهائيا ويهيئ الله لها من يفكُّ ألغازها
أما إبلاغ الله رسوله من أبناء الأمم السابقة مما جاء في القرآن الكريم فهو اختراق لحجاب الزمن الماضي، نحو قوله تعالى :
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( ٤٤ ) ( آل عمران ).
ويقول سبحانه وتعالى :
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( ٤٤ ) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( ٤٥ ) ( القصص ).
وقوله سبحانه : وما كنت في آيات أخرى دليل على أن الله سبحانه وتعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بما كان مستورا في الزمن الماضي. أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل، فهو محجوب عنك بحجاب الزمن المستقبل، وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات كثيرة كلها تبدأ بحرف السين، وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد، وقوله تعالى :
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ( فصلت : ٥٣ ).
دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف الله لنا عن آياته الموجودة في الأرض، وقوله تعالى :
الم ( ١ ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( ٢ ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( ٣ ) ( الروم ).
وهذا اختراق لحجاب المستقبل ؛ لأن النصر حدث بعد نزول هذه الآية بتسع سنوات. إذن : فالذي يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن المستقبل، ولكن هناك شيئا يحدث في الحاضر ولا نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب المكان، فما يحدث في مكان لست موجودا فيه لا تعرفه، فأنت إن كنت جالسا في مكة مثلا، فأنت لا تعرف ما يحدث في المدينة المنورة
٢ قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ، ذكره القرطبي في تفسيره(٤/٣٠٣٠)، قال ابن كثير(٢/٣٤٦) "دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح"المؤمن لا ينجس". وأما نجاسة بدنه فالجمهور اتفق على أنه ليس بجنس البدن والذات، لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ.. رواه ابن جرير"..
٣ قال القرطبي في تفسيره(٤/٣٠٣١): "قال الشافعي رحمه الله: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر؛ لأن قوله عز وجل: إنما المشركون نَجَس تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي