يأيها الذين امنوا إنما المشركون نجس مصدر من نجس ينجس على وزن سمع يسمع أو كرم يكرم ولنا لا يثنى ولا يجمع ويستوي فيه الذكر والأنثى، وحمله إما على المبالغة أو بتقدير ذو، في القاموس النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد. . ضد الطاهر، قلت وهو ما يستقذره الطبع السليم ويطلق عليه النجاسة الحقيقية كالقاذورات والدم وألحق بها الشارع النجاسات الحكمية من الحدث والجنابة وانقطاع الحيض والنفاس فهو ما يستقذره الشرع، فالكافر نجس شرعا لأنه حبيب لخبث باطنه ليستقذره الشرع ويجب الاجتناب عنه كما يجب على المصلي الاجتناب عن النجاسة الحقيقية فلا يجوز موالتهم قال : الضحاك : وأبو عبيدة نجس يعني قذر قال : البغوي : أراد به نجاسته الحكم لا نجاسة العين سموا نجسا على الذم، وقال قتادة سماهم نجسا لأنهم يجتنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضؤون ولا يجتنبون من النجاسات.
وعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب، اخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من صافح مشركا فليتوضأ أو ليغسل كفيه " وهذا القول متروك بالإجماع فلا يقربوا المسجد الحرام ، قالت الحنفية : المراد به النهي عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقا بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه ينادي في الموسم :" لا يحج بعد العام مشرك " فظهر أن المراد منعهم عن الحج والعمرة فيجوز عنده دخول الكافر المسجد الحرام ودخول غيره بالطريق الأولى وورد النهي عن الاقتراب للمبالغة، وقالت الشافعية هو نهي عن دخولهم الحرم لأنهم إذا دخلوا بالحرم فقد اقتربوا من المسجد الحرام وهذا كما قال : الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ١ وأراد به الحرم لأنه أسرى به من بيت أم هانيء.
قال البغوي رضي الله عنه جملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام أحدهما : الحرم فلا يجوز للكافر إن يدخله ذميا كان أو مستأمنا لظاهرة هذه الآية وإذا جاء رسول من دار الكفار إلى دار الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، والقسم الثاني من بلاد الإسلام الحجاز فلا يجوز للكافر الإقامة فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام لكن جاز له دخولها لما روي عن عمر بن الخطاب انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما " فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال :" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر رضي الله عنهما في خلافة واجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا، وجزيرة العرب من أقصى العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى الشام في العرض، والقسم الثالث سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر أن يقين بذمة أو أمان ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم، وقال الحافظ بن حجر المروي عن الشافعي التفضيل بين المسجد الحرام وغيره من المساجد فلا يجوز له دخول المسجد الحرام ويجوز له دخول غيرها من المساجد وعند المالكية والمزني لا يجوز للكافر دخول شيء من المساجد قياسا على المسجد الحرام، وعقد البخاري بابا على دخول المشرك المسجد يعني على جواز دخوله وذكر فيه حديث أبي هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارة من سواري المسجد وقد ذكرنا حديث قصة ثمامة بن أثال وإسلامه في سورة الأنفال في مسألة جواز المن على الأسارى، وهذا الاستدلال ضعيف لأن قصة ثمامة بن أثال كان قبل فتح مكة وقد منع الكفار عن الحج أو الدخول في المسجد الحرام في سنة تسع حيث قال : الله تعالى بعد عامهم هذا يعني العام الذي نزلت فيه سورة التوبة وحج فيه أبو بكر و نادى عليه ببراءة وهي سنة تسع من الهجرة، وقيل : يؤذن للكتابي خاصة بدخول المسجد قال : الحافظ ابن حجر في شرح البخاري في باب دخول المشرك المسجد إن حديث الباب يرد على هذا القول أن ثمامة بن أثال لم يكن من أهل الكتاب والله أعلم.
قال البيضاوي في هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع نظرا إلى انه سبحانه نهاهم عن اقتراب المسجد وهذا ليس بشيء فإن الخطاب في الآية للمؤمنين حيث قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس الآية فالمؤمنون مأمورون بمنعهم عن المسجد الحرام وإن كان ظاهرا الآية نهيا للكفار كيف ولو كان الكفار مخاطبين بالفروع كانوا مخاطبين مأمورين بالحج إذ الحج من الفروع مع أن الآية يمنعهم عن الدخول والحج فليزم التناقض ولو كانوا مخاطبين بهذه الآية بعدم الدخول وترك الحج لكانوا ممتثلين بتركهم الحج فليزم أن يكونوا إما مأجورين مثابين في ذلك وذلك باطل والله أعلم.
أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير وعكرمة وعطية العوفي والضحاك وقتادة وغيرهم أنه كان المشركون يجيؤون إلى البيت ويجيؤون معهم بالطعام فلما نهوا عن إتيان البيت ونزلت : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا شق على المسلمين من أهل مكة خفتم يعني فقر لوفاقة يقال عال يعيل عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء قيده بالمشيئة لينقطع بالآمال إليه ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأن الغنى الموجود يكون لبعض دون بعض وفي عام دون عام إن الله عليم بأحوال عباده حكيم فيما يعطي ويمنع قال : عكرمة فأغناهم الله بأن أنزل عليهم المطر مدرار فكثر خيرهم، وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله تعالى ما كانوا يخافون وقال الضحاك وقتادة عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها وذلك قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
التفسير المظهري
المظهري