يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم [ التوبة : آ ]ة ٣٢ ] قال بعض العلماء : نور الله هو هذا القرآن العظيم، وقد سمى الله هذا القرآن نورا في آيات كثيرة كقوله : قد جاءكم من الله نور وكتب مبين [ المائدة : آية ١٥ ] يأيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم نورا [ النساء : آية ١٧٤ ] ولكن جعلنه نورا نهدى به من نشاء [ الشورى : آية ٥٢ ] واتبعوا النور الذي أنزل معه [ الأعراف : آية ١٥٧ ] والنور الذي أنزلنا [ التغابن : آية ٨ ] هو نور أضاء الله به كل شيء، وكل من لا يعلم أنه نور وأنه حق فإن ذلك إنما جاءه من قبل عماه ؛ لأنه خفاش أعمى، والأعمى لا يرى الشمس، وقد بين الله هذا في سورة الرعد في قوله : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى [ الرعد : آية ١٩ ] فصرح بأن الذي يمنعه من أن يعلم أنه الحق إنما هو عماه.
| إذا لم يكن للمرء عين بصيرة | فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر ١ |
بأفوههم في قوله : بأفوههم وجهان ٢ :
أحدهما : أن المراد أن إطفاءه بأفواههم هو تكذيبهم به وقولهم : إنه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين أو مكذوب على الله. فهذا إرادتهم تكذيبه وإبطاله بأفواههم بالقول الكاذب.
وقال بعضهم : شبه فعلهم بمن رأى نورا مستضيئا ملأ أقطار الدنيا وأراد أن ينفخه ليطفئه بنفخة ؛ لأن النفخ يطفئ النور الضعيف، ولا يقدر على النور العظيم القوي. كأنه شبه إرادتهم لإطفائه بمن يريد أن ينفخ في نور عظيم ملأ الأرض ليطفئه بالنفخ. وهذا لا يمكن أبدا ويأبى الله ( جل وعلا ) إلا أن يتم نوره للعلماء بحث لغوي في قوله : ويأبى الله إلا ٣ قالوا : لأن الاستثناء يكون من نفي قبله، وهنا ليس فيه نفي، والإثبات لا يستثنى منه، فلا تقول : إلا زيدا، وأكرمت إلا عمرا.
وأجاب بعض العلماء عن هذا بأن الإباء فيه معنى الامتناع، والامتناع مضمن معنى الجحد، هم يريدون كذا ولم يرد الله إلا أن يتم نوره. فهو في معنى النفي.
وقال بعض العلماء : هو متعلق بمحذوف : ويأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، فهذا وحده لا بد أن يقع.
ثم قال : ولو كره الكفرون فلو كره الكافرون إتمامه فهو متممه مهما كان.
٢ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢١٣، ٢١٤)، ابن كثير (٢/ ٣٤٩)، البحر المحيط (٥/ ٣٣)..
٣ انظر: الدر المصون (٦/ ٤٠)..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير