قوله : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق، وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة، التي هي مجرّد كلمات ساذجة، ومجادلات زائفة، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق، ونبوّة نبيّ الصدق، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ أي : دينه القويم. وقد قيل : كيف دخلت إلا الاستثنائية على يأبى، ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيداً. قال الفراء : إنما دخلت لأن في الكلام طرفاً من الجحد. وقال الزجاج : إن العرب تحذف مع أبى، والتقدير : ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان : إنما جاز هذا في أبى، لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس : وهذا أحسن. كما قال الشاعر :
| وهل لي أمّ غيرها إن تركتها | أبى الله إلا أن أكون لها ابنا |
وأخرج أبو الشيخ، عن كعب، قال : دعا عزير ربه أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا : عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال : ثلاث أشك فيهن : فلا أدري عزير كان نبياً أم لا ؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا ؟ قال : ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله : يضاهئون قال : يشبهون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله : قاتلهم الله قال : لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عدي بن حاتم، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله فقال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرجه أيضاً أحمد وابن جرير. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البحتري قال : سأل رجل حذيفة فقال : أرأيت قوله : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله أكانوا يعبدونهم ؟ قال : لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك، قال : أحبارهم : قراؤهم، ورهبانهم : علماؤهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال : الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الفضيل بن عياض قال : الأحبار : العلماء، والرهبان : العباد.
وأخرج أيضاً عن السديّ في قوله : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم قال : يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم يقول : يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ : هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى يعني : بالتوحيد والإسلام والقرآن.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني