ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( ٣٩ ) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
هذا السياق من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك- وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق- إلا الآيتين في آخرها، وما يتخللها من بعض الحكم والأحكام على السنة والمعروفة في أسلوب القرآن. ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الأخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم، وبيان حقيقة أحوالهم، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام في كل من العقائد والفضائل والأعمال، وكان ذكر النسيء في آخره لما ذكرنا. وإننا نقدِّم على تفسير الآيات بيان سبب غزوة تبوك وفاء بما وعدنا به، فنقول :
غزوة تبوك وسببها.
تبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق تقريبا، وقالوا : إن بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على الأشهر.
قال الحافظ في فتح الباري : وكان السبب فيها -أي الغزوة- ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء. فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال : كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام، فقال يا رسول الله : هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية -أي من الفضة- قال : فسمعته يقول :( لا يضر عثمان ما عمل بعدها )، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.
وذكر أبو سعيد في ( شرف المصطفى ) والبيهقي في الدلائل من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود قالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [ الإسراء : ٧٦ ] الآية انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلا. اهـ ما ذكره الحافظ.
والصحيح المعتمد في السبب هو الأول، وما ندري من هؤلاء اليهود الذي قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا ؟ وكان هذا بعد الفراغ من يهود المدينة وإجلائهم. والعجيب من الحافظ كيف قال : إن هذا الحديث حسن مع قوله في شهر بن حوشب في التقريب : إنه كثير الإرسال والأوهام، وعلمه ونقله لما لهم فيه من المطاعن في تهذيب التهذيب ؟ وقد صرح السيوطي بضعف الحديث في أسباب النزول، وفي كتب السير أن ما بذله عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة أكثر مما ذكر في حديث عمران.
وقد كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع باتفاق الرواة، وهو موافق لما رواه ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، بجعل الستة الأشهر بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، فهو صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة في شهر ذي الحجة من تلك السنة، قاله الحافظ.
والغرض من هذا التمهيد لتفسير الآيات أن سبب هذه الغزوة استعداد الروم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإعداد جيش كثيف للزحف به على المدينة، فهي كسائر غزواته صلى الله عليه وسلم دفاع لا اعتداء، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان الأمر بها لما سيذكر من الحكم والأحكام.
قال عزَّ وجلَّ : ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض الاستفهام في الآية للإنكار والتوبيخ. والخطاب للمؤمنين في جملتهم، تربية لهم بما لعله وقع من مجموعهم لا من جميعهم، ومنهم الضعفاء والمنافقون. والنفر والنفور عبارة عن فرار من الشيء أو إقدام عليه بخفة ونشاط وانزعاج، فهو كما قال الراغب : بمعنى الفزع إليه أو منه، يقال : نفرت الدابة والغزال نفورا، ونفر الحجيج من عرفات نفرا، واستنفر الإمام العسكر إلى القتال أو أعلن النفير العام فنفروا خفافاً وثقالاً، والتثاقل التباطؤ، فهو ضد النفر ؛ لأنه من الثقل المقتضي للبطء، وهو يصدق على من لم يستجب لدعوة النفير، وعلى من حاول أو استجاب متباطئا. وأصل اثقالتم تثقالتم أدغمت المثناة في المثلثة فجيء بهمزة الوصل لأجل النطق بالساكن، والعرب لا تبدأ بالساكن ولا تقف على المتحرك. وقد عدي بإلى لتضمنه معنى التسفل والإخلاد إلى الأرض والميل إلى راحتها ونعيمها.
ولما دعا المؤمنين لغزوة تبوك كان الزمن زمن الحر، وكانوا قريبي عهد بالرجوع من غزوتي الطائف وحنين، وكانت العسرة شديدة، وكان موسم الرطب في المدينة قد تم صلاحه، وآن وقت تلطف الحر والراحة، لأن شهر رجب وافق في تلك السنة برج الميزان، وإن عبر عنه بعضهم بالصيف.
روى ابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية قال : هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين وبعد الطائف بأمرهم النفير في الصيف حين اخترقت النخل١، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، قال : فقالوا : منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك كله.
وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى غزوة أن يوري بغيرها لما تقتضيه مصلحة الحرب من الكتمان، إلا أنه في هذه الغزوة قد صرح بها ليكون الناس على بصيرة لبعد الشقة وقلة الزاد والظهر. فلهذه الأسباب كلها شق على المسلمين الخروج في ذلك الوقت إلى بلاد الشام، وكانت حكمة الله تعالى في إخراجهم وهو يعلم أنهم لا يلقون فيها قتالاً ما سنبينه في تفسير آياتها من تمحيص المؤمنين وخزي المنافقين، وفضيحتهم فيما كانوا يسرون من كفرهم وتربصهم الدوائر بالمؤمنين.
والمعنى : يا أيها الذين دخلوا في الإيمان ماذا عرض لكم مما ينافي صحة الإيمان أو كماله المقتضي للإذعان والطاعة حين قال لكم الرسول : انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهزوا لقتالكم والقضاء على دينكم الحق الذي هو السبيل الموصل إلى معرفة الله وعبادته، وإقامة شرعه وسننه، فتثاقلتم عن النهوض بالنشاط وعلو الهمة، مخلدين إلى أرض الراحة واللذة ؟ وآية الإيمان الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون .
أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة أي أرضيتم براحة الحياة الدنيا ولذتها الناقصة الفانية، بدلا من سعادة الآخرة الكاملة الباقية ؟ إن كان الأمر كذلك فقد استبدلتم الذي هو أدنأ وأدنى بالذي هو خير وأبقى.
فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل أي فما هذا الذي يتمتع به في الحياة الدنيا منغصا بالشوائب والمتاعب في جنب ما في الآخرة من النعيم المقيم، والرضوان الإلهي العظيم، إلا شيء قليل لا يرضاه عاقل بدلاً منه ؟ وإنما يؤثره عليه من لا يؤمن به، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالإضافة إلى نعيم الآخرة في قلته في نفسه وزمنه بمن وضع أصبعه في اليم ثم أخرجها منه قال :«فانظر بم ترجع »٢ ؟ رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلانا، ثلاث كلمات : كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار، وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل : ١٤ ].
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين، ومصلحا للناس أجمعين، أن أعد لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر، وقوة الإرادة، وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين، ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الاعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش، وكان له صلى الله عليه سلم بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة رضي الله عنه أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد آمن في السنة الثانية من بعثته. وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش : خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه. وحسبك ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب، وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية. وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي في تقليل إيذائه صلى الله عليه وسلم، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد فاشتد إيذاء قريش له بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة منها شاباً نهداً قوياً يعطونه سيفا فيحمل عليه هؤلاء الشبان حملة رجل واحد فيقطعونه بسيوفهم ليضيع دمه بين القبائل، ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره على حسب عادة العرب فيرضون بالدية. عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم من جعلهم الله تعالى مقدمة لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته أحداً غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته :[ وهم زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ، وهؤلاء قد علموا بنبوته صلى الله عليه وسلم وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة ]، فكان أبو بكر صاحبه الملازم، ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم لأنه كان أشد هذه الأمة استعداداً لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرض الإسلام على واحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر رضي الله عنه، وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها، فنبدأ به ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري٥ في كتاب الهجرة من صحيحه :[ حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليها وسلم قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد٦ لقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة٧- فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٨، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق ؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الذعنة، وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا٩، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه١٠ نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال : قد عملت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عزَّ وجلَّ.
والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين :( إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين )، وهما الحرتان١١، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( على رسلك١٢، فإني أرجو أن يؤذن لي ) فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال :( نعم ). فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط١٣ أربعة أشهر.
[ قال ابن شهاب١٤ : قال عروة : قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوسا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة١٥ قال قائل لأبي : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :( اخرج من عندك ). فقال أبو بكر : إنما هم أهلك١٦ بأبي أنت يا رسول الله، قال :( فإني قد أذن لي في الخروج ). فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( نعم ) : قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بالثمن )١٧. قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر -وهو غلام شاب ثقف١٨ لقن١٩- فيدلج٢٠ من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان٢١ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل٢٢ وهو لبن منحتهما٢٣ ورضيفهما٢٤ حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس٢٥، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هادياً خرّيتاً ـ والخريت الماهر بالهداية ـ قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
[ قال ابن شهاب : وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعشم- أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن جعشم يقول : جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنهم هم، فقلت له : إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي -وهي من وراء أكمة- فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي٢٦ حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام٢٧ فاستقسمت بها أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان٢٨ ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني٢٩، ولم يسألاني إلا أن قال ( أخف عنا )، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[ قال ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يه



١ ـ الاختراف: اجتناه الثمر..
٢ ـ أخرجه مسلم في الجنة حديث ٥٥، والترمذي في الزهد باب ١٥، وابن ماجه في الزهد باب ٣، وأحمد في المسند ٤/ ٢٢٩، ٢٣٠..

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل( ٣٨ ) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير( ٣٩ ) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم( ٤٠ )
هذا السياق من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك- وما كانت وسيلة له من هتك أستار النفاق، وتطهير المؤمنين من عوامل الشقاق- إلا الآيتين في آخرها، وما يتخللها من بعض الحكم والأحكام على السنة والمعروفة في أسلوب القرآن. ومناسبته لما قبله أن المراد قتالهم في تبوك هم الروم وأتباعهم المستعبدون من عرب الشام، وكلهم من النصارى الذين نزلت الآيات الأخيرة في حكم قتال اليهود وقتالهم، وبيان حقيقة أحوالهم، وأهمها خروجهم عن هداية دين المسيح عليه السلام في كل من العقائد والفضائل والأعمال، وكان ذكر النسيء في آخره لما ذكرنا. وإننا نقدِّم على تفسير الآيات بيان سبب غزوة تبوك وفاء بما وعدنا به، فنقول :
غزوة تبوك وسببها.
تبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق تقريبا، وقالوا : إن بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، واللفظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث على الأشهر.
قال الحافظ في فتح الباري : وكان السبب فيها -أي الغزوة- ما ذكره ابن سعد وشيخه وغيره قالوا : بلغ المسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء. فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم كما سيأتي في الكلام على حديث كعب بن مالك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن حصين قال : كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم يقال له قباذ، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهز عيراً إلى الشام، فقال يا رسول الله : هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية -أي من الفضة- قال : فسمعته يقول :( لا يضر عثمان ما عمل بعدها )، وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن حباب نحوه.
وذكر أبو سعيد في ( شرف المصطفى ) والبيهقي في الدلائل من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود قالوا : يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام، فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [ الإسراء : ٧٦ ] الآية انتهى، وإسناده حسن مع كونه مرسلا. اهـ ما ذكره الحافظ.
والصحيح المعتمد في السبب هو الأول، وما ندري من هؤلاء اليهود الذي قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا ؟ وكان هذا بعد الفراغ من يهود المدينة وإجلائهم. والعجيب من الحافظ كيف قال : إن هذا الحديث حسن مع قوله في شهر بن حوشب في التقريب : إنه كثير الإرسال والأوهام، وعلمه ونقله لما لهم فيه من المطاعن في تهذيب التهذيب ؟ وقد صرح السيوطي بضعف الحديث في أسباب النزول، وفي كتب السير أن ما بذله عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة أكثر مما ذكر في حديث عمران.
وقد كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع باتفاق الرواة، وهو موافق لما رواه ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، بجعل الستة الأشهر بعد عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف إلى المدينة، فهو صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة في شهر ذي الحجة من تلك السنة، قاله الحافظ.
والغرض من هذا التمهيد لتفسير الآيات أن سبب هذه الغزوة استعداد الروم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وإعداد جيش كثيف للزحف به على المدينة، فهي كسائر غزواته صلى الله عليه وسلم دفاع لا اعتداء، ولما لم يجد من يقاتله عاد ولم يهاجم شيئا من بلاد الشام، وكان الأمر بها لما سيذكر من الحكم والأحكام.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير