ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة [ التوبة : آية ٣٨ ].
أجمع كافة العلماء، أن هذه الآية الكريمة من سورة براءة نزلت لما استنفر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزو الروم ١، وفي غزوة تبوك، كان ذلك في ساعة العسرة، كما يأتي منصوصا في هذه السورة الكريمة، وكان وقت شدة الحر، والأرض في غاية الجدب، وكان في المدينة النخيل حين أزهت ثمرته، وطابت الظلال والمياه الباردة، فركنوا إلى الدعة، وإلى نعيم الدنيا في الظل والثمار والمياه والظلال الباردة، فركنوا إلى هذا ؛ لأن العدو قوي وكثير العدد جدا، والشقة بعيدة، والزمان حار ؛ ولذا من تكاسلوا منهم وبخهم الله هذا التوبيخ العظيم في هذه الآية الكريمة : يأيها الذين ءامنوا ما لكم أي شيء ثبت لكم يقتضي نكولكم عن الغزو واختياركم للدعة والراحة على مرضاة الله وإعلاء كلمة الله ؟ ما لكم أي شيء ثبت لكم. إذا قيل لكم انفروا أي : قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : انفروا في سبيل الله انفروا معناه : تهيؤوا خارجين متحركين لحرب الروم. في سبيل الله لأن القتال والجهاد في سبيل الله هو أعظم أنواع سبيل الله ( جل وعلا ).
اثاقلتم إلى الأرض أصله :( تثاقلتم ) والمقرر في علم العربية : أن كل ماض على وزن ( تفاعل ) أو على وزن ( تفعل ) إذا تقاربت حروفه الأولى، يكثر في اللغة العربية إدغام بعضها في بعض واجتلاب همزة الوصل لإمكان النطق بالساكن ٢، وهذا يكثر في القرآن في ( تفاعل ) و ( وتفعل )، كقوله هنا في ( تفاعل ) : اثاقلتم إلى الأرض أصله :( تثاقلتم )، فادرءتم فيها [ البقرة : آية ٧٢ ] أصله :( تدارأتم )، حتى إذا اداركوا [ الأعراف : آية ٣٨ ] أصله :( تداركوا )، بل ادرك علمهم [ النمل : آية ٦٦ ] أصله :( تدارك علمهم ). وكذلك هو في ( فعل ) كقوله ( جل وعلا ) : وازينت [ يونس : آية ٢٤ ] أصله :( تزنيت ) من ( تفعل )، قالوا اطيرنا [ النمل : آية ٤٧ ] أصله :( تطيرنا ). وهذا أسلوب عربي معروف، ومن شواهده العربية المشهورة ما أنشده الفراء من قول الشاعر ٣ :

تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
يعني بقوله " ما اتابع " : تتابع.
ومعنى اثاقلتم تثاقلتم، أي : تكاسلتم وتباطأتم وتقاعستم عن الخروج في سبيل الله لغزو الكفار.
ثم إن الله أنكر عليهم إنكارا قويا بأداة الإنكار التي هي الهمزة في قوله : أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة قد تقرر في علم العربية أن لفظة ( من ) تأتي بمعنى البدل ٤، كقوله : ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة في الأرض [ الزخرف : آية ٦٠ ] أي : لجعلنا بدلكم ملائكة في الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة أي : بدل الآخرة، وإتيان ( من ) بمعنى البدل، أسلوب عربي معروف، ومنه قول الشاعر ٥ :
فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان
يعني ليس لنا شربة باردة مكان زمزم ؛ لأنه يؤخذ حار، ويروى :
فليت لنا من ماء حمنان شربة مبردة باتت على كهيان
والطهيان : عود كانوا يجعلونه مرتفعا في جانب البيت متلقيا للهواء يعلقون عليه الماء ليبرد ٦.
وقوله : أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة الهمزة همزة إنكار ؛ لأن أسفه الناس وأقلهم عقلا هو من يرضى بالدنيا بدلا من الآخرة ؛ لأنه يعتاض القليل التافه من الكثير الذي لا يقدر قدره إلا الله، وفي هذا وبخهم ؛ لأنه نقض ضمني للعقد الذي عقده معهم ؛ لأن الله ( جل وعلا ) عقد عقدة بينه وبين عباده المؤمنين وأبرمها، وهو أنه اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجهاد، يشتري من المؤمن حياته الدنيوية وهي حياة قصيرة منغصة مشوشة بالأمراض والمصائب والبلايا والمشاق، يشتريها منه بحياة أبدية سرمدية، لا شيب فيها ولا هرم ولا مرض ولا غضب ولا ألم ولا تشويش، ويشتري منه مالا وعرضا زائلا من الدنيا بالحور العين والولدان وغرف الجنة وأنهارها وثمارها، والنظر إلى وجهه الكريم. فهذا هو البيع الرابح، والله يقول في هذه السورة الكريمة : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأن لهم الجنة يقتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التورة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ( ١١١ ) [ التوبة : آية ١١١ ]. هذا هو البيع الرابح والمعاملة الراجحة، أما الذي ينقصها وينكثها ويقدم للدنيا على الآخرة فهذا سفيه يستحق أشد الإنكار ؛ ولذا أنكر الله عليه بقوله : أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة فإنه لا يقنع بالدون إلا من هو في غاية الدون، وقد صدق من قال ٧ :
إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع بالدون من كان دونا
فلا يقنع بالدون إلا من هو دون كما لا يخفى، وهذا معنى قوله : أرضيتم بالحيوة الدنيا من الأخرة . قد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن تسمية الله ( جل وعلا ) في كتابه للدار الذي نؤول إليها تسميته إياها ( الآخرة ) ينبغي للمسلم أن ينظر فيه ويعتبر فيه، وقد أوجب الله على كل إنسان أن ينظر في مبدئه، وإذا نظر في مبدئه دعاه ذلك إلى النظر في انتهاء أمره الذي يؤول به إلى مسمى الآخرة، وإيضاح ذلك أن الله قال بصيغة أمر سماوي من الله : فلينظر الإنسن مم خلق ( ٥ ) [ الطارق : آية ٥ ] لام الأمر في قوله : فلينظر لام أمر صادرة من خالق السماوات والأرض، متوجهة إلى مسمى الإنسان، يأمره الله أن ينظر الشيء الذي خلق منه ليعلم مبدأ أمره ومن أين جاء ؟ وما سبب وجوده ؟ وعلى أي طريق جاء ؟ ثم لينظر بعد ذلك في مصيره، وإلى أين يذهب به، وإلى أين يصير، وإلى أين يكون آخر أمره ؟ وقد بين لنا هذا المحكم المنزل الذي جمع الله به علوم الأولين والآخرين، مبدأ هذا الإنسان الضعيف ومنتهاه، ومصيره النهائي الذي لا يحيد عنه إلى شيء آخر، فبين أن أول الإنسان تراب بله الله بماء، وهو قوله : يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقنكم من تراب [ الحج : آية ٥ ] فمبدأ رحلة الإنسان ومنشؤه من التراب، بله الله بالماء، فصار طينا، وهو قوله تعالى : ءأسجد لمن خلقت طينا [ الإسراء : آية ٦١ ] إنا خلقنهم من طين لازب [ الصافات : آية ١١ ] ثم جعل نسله من سلالة من طين ثم إن الله خمر ذلك الطين حتى صار حمأ مسنونا، ثم أيبسه حتى صار صلصالا كالفخار، ثم خلق منه آدم وجعله لحما ودما، ثم خلق منه زوجه، كما قال : يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة [ النساء : آية ١ ] هي آدم وخلق منها زوجها يعني حواء. وذكر ذلك في الأعراف وفي الزمر كما هو معروف، ثم بعد أن حصل رجل وامرأة صار طريقة وجود الإنسان على طريق التناسل المعروفة، يكون أولا من نطفة أمشاج من ماء الرجل وما المرأة، ثم يخلق الله تلك النطقة علقة وهي الدم الجامد الذي إذا صب عليه الماء الحار لم يذب، ثم يجعل الله تلك العلقة مضغة، ثم المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ويخلق هذا البشر السوي الذي تنظرون إليه، الذي كل موضع إبرة منه فيها من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول، وقد ذكرنا مرارا أن أعظم ما فتن به ضعاف العقول من المسلمين حذق الإفرنج، في حالة الدنيا، ومن أبرع ما برعوا فيه الطب، وأنا أقول لكم : إنه لو اجتمع اليوم جميع من في المعمورة من مهرة الأطباء يريدون أن يعملوا عملية في جنين في رحم أمه فإنهم لا يقدرون أن يعملوا العملية حتى يشقوا بطنها ورحمها والمشيمة التي على الولد، ثم يأتوا بالأشعة الكهربائية ليمكنهم أن يروا، ثم يعلموا، فقد تموت وهو الأغلب ! ! وهذا خالق السماوات والأرض ( جل وعلا )، ليس فينا ولا فيهم ولا في غيرنا أحد إلا وهو يعمل فيه آلاف العمليات الهائلة وهو في بطن أمه، من غير أن يحتاح إلى شق بطنها، ولا إلى شق رحمها، ولا إلى شق المشيمة التي على الولد يخلقكم في بطون أمهتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون [ الزمر : الآية ٦ ].
هذه الأعين قد فتحها الله ( جل وعلا ) وأنتم في بطون أمهاتكم، وصبغ بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وأنبت عليها هذا الشعر، وجعل لها هذا الوعاء من الجفون، وهذا الدماغ خلقه وجعله في هذا الوعاء، وخاط عليه هذه العظام هذه الخياطة الهائلة، وهذا الأنف خلقه وثقبه، وهذا الفم خلقه وثقبه، وجعل اللسان، وأجرى في الفم عينا باردة هي الريق، يبتلع بها الطعام، لو أمسك عنه الريق لما ابتلع الزبد الذائب، وشق له مجاري البول، ومجاري الغائط، ومجاري العروق والشرايين للدورة الدموية، ولو نظر إلى موضع عضو واحد من الإنسان لوجد فيه من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول، ومع هذا كله فخالق السماوات والأرض يجعل هذه العمليات الهائلة فيكم وأنتم في بطون أمهاتكن، من غير أن يحتاج إلى بنج، بل بنج القدرة وعظمة الخالق، يفعل للمرأة جميع هذا وهي تضحك وتفرح وتمرح وتعصي خالق السماوات والأرض، لا تشعر بشيء، لعظمة وقدرة هذا الإله الخالق العظيم ( جل وعلا )، ثم إن الله ( جل وعلا ) يخلق هذا الإنسان بما فيه من الغرائب والعجائب الذي كل موضع إبرة منه يبهر العقول بما أودع فيه الله من بارع صنعه وغرائب عجائبه، ثم يخرجه من بطن أمه ويسهل له طريق الخروج من ذلك المكان الضيق كما يأتي في قوله : ثم السبيل يسره ( ٢٠ ) [ عبس : آية ٢٠ ] ثم يلهمه أخذ الثدي وهو في ذلك الصغر، ويلطف به حتى يكبر ويعظم ويكون قويا يجادل ربه، وتلك المحطة هي التي نحن فيها الآن، فقد جاوزنا ما قبلها من المحطات، وهي التي يؤخذ منها الزاد، والسفر أمامها طويل، والشقة هائلة، فكأن الإنسان يقال له : يا مسكين انت في رحلة عظيمة، وآخرها أعظم من أولها أشد مسافة وأكبر خطرا وأعظم غررا، فخذ أهبتك في وقت الإمكان، وليس موضع يمكنك فيه ويخترمك، فعلى الإنسان أن يبادر بأعظم ما يكون من السرعة ليأخذ زاده ويستعد عدته لبقية هذا السفر العظيم الهائل الشاق، ثم بعد هذه المرحلة ننتقل جميعا إلى مرحلة تسمى مرحلة القبور، نصير جميعا إلى القبور كما صار إليها من قبلنا. وذكروا أن أعرابيا بدويا سمع قارئا يقرأ ألهكم التكاثر ( ١ ) حتى زرتم المقابر ( ٢ ) [ التكاثر : الآيتان ١، ٢ ]. قال : انصرفوا والله من المقابر إلى دار أخرى ٨. لأن الزائر منصرف لا محالة، ثم إنهم يوم القيامة يخرجون من القبور إلى محطة أخرى وهي محطة عرصات الحشر، يجتمعون فيها جميعا في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ثم يقضي الله بين خلقه بالشفاعة الكبرى، شفاعة سيد الأنبياء محمد ( صلوات الله وسلامه عليه )، فإذا انقضى حسابهم وتمت مجازاتهم، عند ذلك صدروا أشتاتا يومئذ يصدر الناس أشتاتا [ الزلزلة : آية ٦ ] فمذهوب به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوب به ذات الشمال إلى النار، ولا يجتمعون بعد ذلك، وهذا قوله تعالى : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ، وهذه الأشتات قد أوضح الله معناها في سورة الروم، في قوله تعالى :{ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ( ١٤ ) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم في روضة يحبرون ( ١٥ ) وأما الذين كفروا وكذب
١ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٥١)، القرطبي (٨/ ١٤٠)، ابن كثير (٢/ ٣٥٧)..
٢ مضى عند تفسير البقرة، انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٥٢)، الدر المصون (٦/ ٤٩)..
٣ تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٧٢) من سورة البقرة..
٤ انظر: ابن جرير (١٤/ ٢٥٢)، القرطبي (٨/ ١٤١)، الدر المصون (٦/ ٥٠)..
٥ البيت ليعلى بن مسلم اليشكري، أو الأحول الكندي. وهو في القرطبي (٨/ ١٤١)، الدر المصون (٦/ ٥٠)..
٦ انظر: القرطبي (٨/ ١٤١)..
٧ مضى عند تفسير الآية (١٦٨) من سورة الأعراف..
٨ ذكره ابن كثير في التفسير (٤/ ٥٤٥)..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير