ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

قوله : ومنهم من يقول ائذن لي [ التوبة : آية ٤٩ ] قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ورش عن نافع والسوسي عن أبي عمرو : ومنهم من يقول ائذن لي بهمزة محققة، وقرأه ورش والسوسي بإبدال الهمزة واوا مادة للام ومنهم من يقول وذن لي أما عند الوقف فقد أجمع جميع القراء على أنك إن وقفت على يقول ابتدأت فقلت : ايذن لي (١) وهو الأمر من أذن له يأذن له. تقول العرب : أذن له يأذن له. وإذا جاء منها أمر تقول : ائذن لي. أصله : ائذن لي. ولكن القاعدة المقررة في العربية : أن كل همزتين اجتمعتا في كلمة أخراهما ساكنة وجب إبدالها حرف مد مجانسا للشكلة التي قبلها سواء أكانت التي قبلها همزة وصل أو همزة قطع، وهذا حكم لا خلاف فيه بين القراء ولا بين علماء العربية ومنهم من يقول ائذن لي أي : ائذن لي في القعود ولا تكلفني بالشخوص إلى غزوة تبوك. وهذه الآية نزلت في الجد بن قيس الخبيث المنافق أخي بني سلمة، كان رجلا سيدا فيهم، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني سلمة : من سيدكم يا بني سلمة ؟ قالوا : الجد بن قيس على أنا نبخله ؛ لأنه بخيل لا يجود بالمال. فقال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ إنما سيدكم هذا الشاب الأبيض الجعد (٢). يعني بشر بن البراء بن معرور. وكان حسان ( رضي الله عنه ) يمدح بشر بن البراء بتسويد النبي صلى الله عليه وسلم إياه ويقول (٣) :
وسود بشر بن البراء بجوده وحق لبشر بن البرا أن يسودا
فتى إن أتاه الوفد أتلف ماله وقال خذوه إنني عائد غدا
فنزلت هذه الآية في الجد بن قيس على ما عليه جماعة المفسرين ومنهم من يقول ائذن لي هو الجد بن قيس أخي بني سلمة. ذكر ابن إسحاق وغيره (٤) أن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت تجهيزه لغزوة تبوك قال له : " يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ " يعني الروم. فقال له الجد : يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ائذن لي في الجلوس فإني رجل قد علم قومي أنني لا صبر لي عن النساء، وإن نساء بني الأصفر فيهن جمال ووضاءة وجوه أخاف إن رأيتهن أن لا أصبر عنهن، فائذن لي ولا تفتني بصباحة وجوههن إذا خرجت إليهن. وهذا عذر بارد وليس قصده إلا النفاق، فأنزل الله فيه : ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني أي : بصباحة وجوه نسائهم على ما قاله غير واحد.
وقال بعض العلماء وأسنده ابن جرير (٥) إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " يا جد بن قيس هل لك في جلاد بني الأصفر لتغنم منهم سراري ووصفاء ؟ " فقال : ائذن لي ولا تفتني بالنساء. هذا منزع آخر ووجه في الآية.
وجمهور العلماء يقولون : هي في الجد بن قيس، وهو عذر نفاق لا شك فيه، وهو لا عذر له، وإنما يتلمس الأعذار الكاذبة ليجلس – قبحه الله -.
ثم إن الله قال : ألا في الفتنة سقطوا الفتنة التي يزعم أنه يتوقاها وهي خوفه أن يفتتن بجمال نساء بني الأصفر هذه ليست هي الفتنة، ولكن الفتنة العظيمة هذه التي سقط فيها ووقع فيها وهي تخلفه عن الجهاد واعتذاره الكاذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاقه، هذه هي الفتنة والضلال. فالمعنى : هذا الذي سقط فيه باعتذاره هو عين الفتنة العظيمة لا فتنة جمال نسائهم الذي يزعم أنه هو الذي يخاف فتنته. وهذا معنى قوله : ولا تفتني .
ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيط بالكفرين [ التوبة : آية ٤٩ ] في هذه الآية الكريمة وعيد شديد للمنافقين، وجهنم طبقة من طبقات النار، وتطلق على النار.
وقوله : لمحيط بالكفرين لأنها تهلكهم وتغشاهم فتحتوي عليهم من جميع الجهات، وتغلق أبوابها عليهم، ويضيق عليهم فيها كما بين تعالى ذلك في آيات كثيرة، فبين إحاطة النار بهم في قوله في العنكبوت : يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكفرين ( ٥٤ ) يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ( ٥٥ ) [ العنكبوت : الآيتان ٥٤، ٥٥ ] وقوله تعالى في الكهف : إنا اعتدنا للظلمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه... الآية [ الكهف : آية ٢٩ ]. وقال تعالى : لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم [ الأنبياء : آية ٣٩ ] لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش [ الأعراف : آية ٤١ ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحاطتها بهم. وبين ( جل وعلا ) أنها تطبق عليهم وتغلق أبوابها، وهو قوله : إنها عليهم مؤصدة ( ٨ ) في عمد ممددة ( ٩ ) [ الهمزة : الآيتان ٨، ٩ ] وأنها تضيق عليهم ضيقا شديدا كما قال تعالى : وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( ١٣ ) [ الفرقان : آية ١٣ ] أعاذنا الله وإخواننا المؤمنين منها. وهذا معنى قوله : وإن جهنم لمحيطة بالكفرين [ التوبة : آية ٤٩ ].

١ انظر: الإتحاف (٢/ ٩٢)..
٢ في بعض روايات الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في عمرو بن الجموح (رضي الله عنه)، كما في الأدب المفرد رقم (٢٩٧) من حديث جابر (رضي الله عنه). وهو في صحيح الأدب المفرد رقم: (٢٢٧). وأخرجه الحاكم (٣/ ٢١٩) – وصححه ووافقه الذهبي – من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) بنحو حديث جابر. وأورده الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٤٦) وعزاه لابن إسحاق. كما أورده الحافظ في الإصابة (١/ ١٥٠)، وفي الفتح (٥/ ١٧٨).
أما الرواية التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في بشر بن البراء (رضي الله عنه) فقد ذكرها الواحدي في أسباب النزول ص ٢٤٧ – ٢٤٨، وأوردها الحافظ في الفتح (٥/ ١٧٩) وعزاه للوليد بن أبان في كتاب الجود من حديث كعب بن مالك (رضي الله عنه). وقد صحح الحافظ هذه الرواية وجمع بينها وبين الرواية الأخرى. بيد أن الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٤٦)، وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢١٨) رجحا أنها في بشر بن البراء. والله أعلم..

٣ البيتان عند الواحدي في أسباب النزول ص ٢٤٨، القرطبي (٨/ ١٥٩) ونص البيت الثاني هناك:
إذا مـــا أتــــاه الــــوفــــد أذهـــــب مــــالـــــه وقـــــال خــــذوه إنـــــنــــي عــــائـــــد غــــــدا.

٤ أخرجه ابن جرير (١٤/ ٢٨٧) من طريق ابن إسحاق. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٢٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٠): "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف" ا. هـ..
٥ ابن جرير (١٤/ ٢٨٨) عن ابن زيد مرسلا..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير