ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

٦٧٤- قال قوم : " لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى، " قاله الغزالي في إحياء علوم الدين١ وغيره. وقال آخرون : " لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ولا هو هو "، لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر، قال المحققون : " والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول ".
أما المنقول فقوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى : وعلى الله فليتوكل المؤمنون ٢ وقوله تعالى : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ٣ أي : تحرزوا منه. فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار. وأمر تعالى بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز ورسوله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، وكان يطوف على القبائل ويقول : " من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي " ٤ وكان له جماعة يحرسونه٥ من العدو حتى نزل قوله تعالى : والله يعصمك من الناس ٦ ودخل مكة مظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد، وكان في آخر عمره، وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر قوت سنة لعياله.
وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده وأن لا يخالف عوائده، بل يجري عليها، والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء، بل أعظم من ذلك رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قد قدرته، ولو شاء لم يربطها، فجعل الري بالشرب، والشبع بالأكل، والاحتراق بالنار، والحياة بالتنفس في الهواء، فمن طلب من الله تعالى حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله سبحانه وتعالى، بل يلتمس فضله في عوائده.
وقد انقسمت الخلائق في هذه المقام ثلاثة أقسام :
قسم عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلجنوا في البحار في زمن الهول، وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد، إلى ذلك من هذه التصرفات. فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق.
وقسم لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل، وهم عامة الخلق وشر الأقسام، وربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر.
والقسم الثالث اعتمدت قلوبهم على قدرة الله تعالى، طلبوا فضله في عوائده، ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها، فجمعوا بين التوكل والأدب، وهؤلاء النبيئون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه.
فهؤلاء هم خير الأقسام الثلاثة، والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدم الأسباب أومن شرطه عدم الأسباب إذا قيل : الإيمان سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب، فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما، فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا، من الأسباب، إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك.
نعم من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك، ومنها ما هو أكثر، غير مطرد، لكن الله تعالى أجرى فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك.
والأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده، ولذلك كان الرسول عليه السلام يأمر بالدواء٧ والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار، فأمر بكي سعد٨ وقال عليه السلام : " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء " ٩ وصلاح كل جسم ما اعتاد، وإذا كان حاله في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته، فما ظنك بغير ذلك من العوائد. فهذا هو الحق الأبلج والطريق الأنهج. ( الفروق : ٤/٢٢١-٢٢٤ )

١ - إحياء علوم الدين: ٤/٢٨٠ وما بعدها. وقد أورد الإمام الغزالي آراء الفريقين معا بشكل مستفيض. ن: إحياء علوم الدين: ٤/٢٧٦ إلى ٣١٠. الشطر الثاني من كتاب التوحيد: في أحوال التوكل وأعماله..
٢ - سورة التوبة: ٥١..
٣ - سورة فاطر: ٦..
٤ - سبق تخريجه في ص: ١٧٩ ؟؟.
٥ - أخرج الطبراني عن عصمة بن مالك الخطمي قال: "كنا نحرس رسول الله عليه السلام بالليل حتى نزلت: والله يعصمك من الناس فترك الحرس" ن: لباب النقول: ٨٣. وتفسير ابن كثير: ٢/١٢٤. وما بعدها..
٦ - سورة المائدة٦٧..
٧ - وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب. ن: مثلا: صحيح مسلم: كتاب. السلام ح: ٦٩. وسنن الترمذي، كتاب: الطب الباب: ٢ ومسند أحمد: ٤/٢٧٨..
٨ - حديث : أنه عليه السلام أمر بكي سعد بن زرارة، خرجه الطبراني من حديث سهل بن حنيف ومن حديث أبي أسامة بن سهل ح: ٣٩٧..
٩ - لم أعثر على هذا الحديث فيما اطلعت عليه من كتب الحديث ومعاجمها، ولعله قول مأثور..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير