ثم إن الله ( جل و علا ) أمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقول لهم : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا [ التوبة : الآية ٥١ ] لن يصيبنا أذى من الأ ذى لا قتل و لا جراح و لا مصيبة كائنة ما كانت إلا ما كتبه لنا ربنا في أزله. و قوله مولانا أي سيدنا وناصرنا. والمولى : أصله ( مفعل ) من الولاية. والمولى في لغة العرب يطلق على كل من ينعقد بينك وبينه معنى تكون تواليه ويواليك به ١ ؛ ولذا كثر إطلاق المولى على ابن العم ؛ لأن بني العم يوالوك بعصية القرابة وتواليهم، ويطلق على المعتق ؛ لأن العتق ولاية حصلت بينه وبين المعتق، فهو يطلق على المعتق وعلى المعتق. ويطلق المولى على الصديق، وعلى كل من بينك وبينه ولاية كائنة ما كانت ٢. وقوله تعالى : ولكل جعلنا مولى { النساء : آية ٣٣ أي : عصبة يرثون المال، كبني العم ونحوهم من العصبات، ومن هذا المعنى قول الفضل بن العباس من أولاد أبي لهب ٣ :
مهلا بني مهلا موالينا لا تظهروا لنا ما كان مدفونا
وإطلاق المولى على ابن العم مشهور في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد ٤ :
وأعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
والله ( جل وعلا ) ؛ مولى المؤمنين ؛ لأنه يواليهم بالنصر والثواب والرحمة وهم مواليه ؛ لأنهم يوالونه بالطاعة، حتى إن كل شيء يواليه شيئا يقال له :( مولى ) ولذا جعل الله النار مولاهم كما قال : مأوكم النار هي مولكم وبئس المصير [ الحديد : آية ١٥ ] لأنها تواليهم لما عملوا من الأعمال السيئة لها. وهذا معنى قوله : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [ التوبة : آية ٥١ ] في أزله هو مولانا سيدنا ومدبر شؤوننا ونحن متوكلون عليه وعلى الله فليتوكل المؤمنون تقديم المعمول هنا في قوله : وعلى الله يدل على الحصر، أي : لا يتوكل إلا على الله وحده. والتوكل معناه : تفويض الأمور، وكلت الأمر إليه : فوضتها إليه.
وعلى العبد أن يفوض أموره إلى ربه ( جل وعلا ) ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. والتوكل على الله والتفويض عليه لا ينافى الأسباب، فيجب على المسلم أن يأخذ بالأسباب كما جاء به الشرع الكريم، ويكون في قرارة نفسه متوكلا على الله، وهذا سيد المتوكلين ( صلوات اله وسلامه عليه ) مر عليكم في الأيام الماضية أنه مع شدة توكله على الله وثقته بالله يتسبب بالمحافظة من أعدائه بأن يدخل في غار مظلم في جبل ثور ليسن لأمته التوكل على الله والأخذ بالأسباب مع التوكل على ضوء الشرع الكريم، وها هو الحق الذي لا شك فيه، فترك الأسباب من الضلال، والاعتماد بالكلية عليها من الضلال، والحق هو أن يأخذ الإنسان بالأسباب حسب ما جاء به الشرع الكريم متوكلا قلبه على الله، مفوضا أمره إليه، عالما بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه كما قال هنا : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ( ٥١ ) [ التوبة : آية ٥١ ] وقد أوضح الله لنا في سورة الحديد أن جميع المصائب وجميع الأمور لا يصيب الإنسان منها إلا شيء كان مقدرا قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن توجد المصيبة، وربنا يقول لنا في آية الحديد الآتية ما معناه : بينت لكم أن جميع الأمور كتبتها وحسمتها عندي لتحصلوا على أمري : أحدهما : أن لا تفرحوا بشيء أتاكم فإنه آتيكم لا محالة، ولا تحزنوا على شيء فاتكم لأنه فائت لا محالة، وهذا نص عليه تعالى بقوله : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأها أي : أن نخلقها إن ذلك على الله يسير [ الحديد : آية ٢٢ ] إنما بينا لكم هذا القدر السابق الأزلي لكيلا تأسوا على ما فاتكم [ الحديد : آية ٢٣ ] لا تحزنوا على شيء فاتكم فهو فائت لا محالة ؛ لأن الله كتب ذلك وقدره ولا تفرحوا بما ءاتكم فهو آت لا محالة. هذه الآيات القرآنية إذا تأملها المسلم وتدبر معانيها فهم عن الله، وهانت عليه أمور الدنيا فلم تعظم في قلبه، وهذا معنى قوله : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ التوبة : آية ٥١ ].
٢ مضى عند تفسير الآية (٤٠) من سورة الأنعام..
٣ السابق..
٤ مضى عند تفسير الآية (١١٢) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير