ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عليهم بقوله : لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا أي : في اللوح المحفوظ، أو في كتابه المنزّل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدّره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شرّ إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة هُوَ مولانا أي : ناصرنا وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل على الله تفويض الأمور إليه ؛ والمعنى : أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم مختصاً بالله سبحانه، لا يتوكلون على غيره. وقرأ طلحة بن مصرف يصيبنا بتشديد الياء. وقرأ أعين قاضي الري «يصيبنا » بنون مشدّدة. وهو لحن لان الخبر لا يؤكد. وردّ بمثل قوله تعالى : هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ . وقال الزجاج : معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة.
وعلى هذا القول يكون قوله : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين تكريراً لغرض التأكيد، والأوّل : أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب عليهم بهما مفيداً لفائدة غير فائدة الآخر، والتأسيس خير من التأكيد.
وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ : قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا قال : إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين قال : فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله : أَوْ بِأَيْدِينَا قال : القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : قال الجد بن قيس : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، قال : ففيه نزلت : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم قال : هذه من تقاديم الكلام، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا وَهُمْ كافرون قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ يقول : لا يغررك وَتَزْهَقَ قال : تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ الآية قال : الملجأ : الحرز في الجبال، والمغارات : الغيران، والمدّخل : السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ وَهُمْ يَجْمَحُونَ قال : يسرعون.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني