قوله تعالى : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ الآية.
لمَّا قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بيَّن ههنا أنَّ الأشياء التي يظنونها من منافع الدنيا ؛ فإنه تعالى جعلها أسباباً لتعذيبهم في الدُّنيا.
والإعجاب : هو السرور بالشَّيء من نوع الافتخار به، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه. قوله فِي الحياة الدنيا فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلقٌ ب " تُعْجِبْكَ "، ويكون قوله : إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ جملة اعتراض، والتقدير : فلا تعجبك في الحياةِ، ويجوز أن يكون الجارُّ حالاً من " أمْوالُهُمْ " وإلى هذا نحا ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي وابن قتيبة، قالوا في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى : فلا تعجبك أموالهم، ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنَّما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة١.
قال أبو حيان :" إلاَّ أنَّ تقييد الإعجاب المنهيَّ عنه الذي يكون ناشئاً عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنَّه لا يكون إلاَّ في الحياة الدُّنيا، فيبقى ذلك كأنَّهُ زيادة تأكيد بخلاف التَّعذيب، فإنَّه قد يكون في الدنيا، كما يكون في الآخرة، ومع أنَّ التقديم والتأخير يخصُّه أصحابنا بالضرورة ".
قال شهابُ الدين :" كيف يقال - مع نصِّ من قدَّمتُ ذكرهم - أصحابنا يخصُّون ذلك بالضَّرورة ؟ على أنه ليس من التقديم الذي يكون في الضرورة في شيءٍ، إنَّما هو اعتراض، والاعتراض لا يقال فيه تقديم وتأخير، بالاصطلاح الذي يخصُّ بالضرورة. وتسميتهم - أعني : ابن عباس، ومن معه رضي الله عنهم - إنَّما يريدون به الاعتراض المشار إليه، لا ما يخصه أهل الصناعة بالضرورة ".
والثاني : أنَّ " فِي الحياةِ " متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويِّ : مصائبُ الدُّنيا ورزاياها أو ما لزمهم من التكاليف الشَّاقة، فإنَّهم لا يرجون عليها ثواباً، قاله ابنُ زيد٢ : أو ما فُرِض عليهم من الزكوات٣، قاله الحسنُ. وعلى هذا فالضميرُ في " بها " يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على " الأولاد، والأموال ".
فإن قيل : أيُّ تعذيب في المال والولد وهما من جملة النّعم ؟.
فالجوابُ : على القول الأول بالتقديم والتأخير، فالسؤالُ زائل. وعلى الثاني المصائب الواقعة في المال والولد. وقيل : بل لا بدَّ من تقدير حذف، بأن يقال : أراد بالتعذيب بها من حيث كانت سبباً للعذاب، أمَّا في الدُّنيا، فإن من أحب شيئاً كان تألمه على فراقه شديداً، وأيضاً يحتاج في تحصيلها إلى تعب شديد، ومشاقّ عظيمة، ثم في حفظها كذلك، وأمَّا في الآخرة فالأموال حلالها حساب، وحرامها عذابٌ.
فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكلِّ، فما فائدة تخصيص المنافقين ؟.
فالجوابُ : أن المنافق لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فلا ينفق ماله في سبيل الله لأنَّهُ يراه ضياعاً لا يرجو ثوابه، وأما المؤمن فينفق ماله طيبة بها نفسه، يرجو الثواب في الآخرة والمنافق لا يجاهد في سبيل الله خوفاً من أن يقتل، والمؤمن يُجَاهدُ، يرجو ثواب الآخرة ثم قال : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ أي : تخرجُ أنفسهم وهم كارهون.
أي : يموتون على الكفر.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٤٧) عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر.
وذكره أيضا (٣/٤٤٧) عن قتادة وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٩١) عن ابن زيد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٤٧) وعزاه إلى ابن حاتم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٣٩١) عن الحسن وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٠-٣١٠١)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود