ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

والله يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي طي هذا الخطاب خطاب لجميع المسلمين وهنا يقول الحق سبحانه :
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون( ٥٥ ) .
وإياكم أن تروا واحدا من هؤلاء ممن رزقهم الله المال والولد ثم تقولون : كيف يكون عذابهم في الدنيا وهم يملكون المال والولد ؟ ومثل هذا التعجب يعني استحسان المال والولد، والظن أن فيهما الخير كله، لكنك إن نظرت بعمق إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده لا يستحق الإعجاب، وإياك أن تغتر بشيء يمكن أن يترك، ويمكن أن يموت سببا في عذابك، فالمال والولد قد يجعلان الإنسان متلفتا إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم. وإن لم يلتفت الإنسان إلى المنعم لا يذكره. وإن لم يذكر الله أهمل منهجه.
والمال والولد في الحياة الدنيا قد يكونان سببين في أن يخاف الإنسان ترك الدنيا. فإن لم يكن لك إيمانا بما عند الله في الآخرة، فقد تخاف أن يترك المال والولد. والذي لا يؤمن باليوم الآخر ؛ فالدنيا هي كل زمنه ؛ وإن فاتها كان ذلك مصيبة له، وإن فاتته كان ذلك مصيبة عليه. وإن آمن الإنسان بالله واليوم الآخر لقال : لئن فاتتني الدنيا فلي عند الله خير منها. ويريد الحق سبحانه أن يمنع عن المؤمنين به فتنة النعمة التي تلهي عن المنعم، فيقول سبحانه :
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم والآية الكريمة تدلنا على أن للمال وحده إعجابا، وللأولاد وحدهم إعجابا، فمن عنده مال معجب بما عنده. ومن ليس عنده مال وعنده أولاد معجب بهم أيضا. فإذا اجتمع الاثنان معا يكون الإعجاب أكبر وأشمل. والحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن اجتماع المال والولد يجب أن يثير الإعجاب في نفوسنا، بل إن سياق الآية يحذرنا من أن نعجب بمن عنده المال وحده، أو بمن عنده الأولاد وحدهم، ولذلك كرر الحق سبحانه وتعالى كلمة : لا فقال : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم .
وأفهمنا الحق سبحانه وتعالى أنه إذا أمد الكافر أو المنافق بالمال والولد ؛ فذلك ليس رفعة من شأنه، وإنما ليعذبه بهما في الدنيا والآخرة. فقال : إنما يريد الله ليعذبهم بها ، واللام هنا في " ليعذبهم " هي لام تدخل على الفعل واسمها " لام العاقبة ". وهي تعني أننا ربما نقوم بالفعل لهدف معين، ولكن قد تكون عاقبته شيئا آخر تماما غير ذلك الذي قصدناه، بل ربما تكون عكس الذي قصدناه.
وعندما نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه وتعالى :
فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدو وحزنا... ( ٨ ) ( القصص ).
هل التقط آل فرعون موسى عليه السلام ليكون لهم عدوا ؟ أم ليكون قرة عين لهم ؟
هم قد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الذي حدث كان عكس ما قصدوه ساعة قيامهم بفعل الالتقاط، فبدلا من أن يصبح موسى قرة عين، أصبح عدوا لفرعون، بل كان سببا في زوال ملكه، إذن هذه هي لام العاقبة.
والله سبحانه وتعالى أعطى لبعض الكفار أموالا وأولادا، وهذا في ظاهره رفعة في الدنيا، ولكنهم بدلا من أن يستخدموا هذه النعمة في التقرب إلى الله ألهتهم عن الإيمان بالله، ووصل بهم الأمر إلى أن يدخل الحق العذاب. ولم يرد الحق العذاب لهم، ولكنهم بحركتهم وفتنتهم بالمال والولد استحقوا أن يدخلوا في العذاب. والعمل غير الشرعي في تنمية المال أو إرضاء الأولاد هو الذي أوصلهم إلى العذاب.
إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وأول ألوان العذاب : أن تلهيهم تلك النعم عن المنعم. وتبعدهم عن منهج الله فيصيرون في عداء مع المؤمنين بمنهج الله، ويخافون إعلان هذا العداء ؛ لذلك حينما كان يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود كانوا يرتعدون ويتساءلون(١) : هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف الله له بعض خبايانا ؟ وكانوا في خوف أن يفتضح أمرهم، فيعاملهم المشركين ويرشدهم.
وثانيا : كانوا يخافون من أن يدخل الرسول عليه الصلاة والسلام في حرب ؛ لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال، وأن يذهب أولادهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش المسلمين، وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم : ما لنا نبذل المال ونضحي بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به. وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يلبون نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعا في الجنة أو النصر. وهذا لون من ألوان العذاب.
وهناك لون آخر من العذاب : عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات، فهم يخافون على أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبي النساء، فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب.
ولون ثالث كمن ألوان العذاب : أن عابد يجمع المال من حرام ومن حلال، لا يهمه من أين جاء المال ؟ ولكن يهمه أن يأتي، والذي يكسب حلالا يكون واضح الحركة في الحياة، والذي يكسب حراما هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم يكشف الله ستره فيعرف الناس أنه ارتشى، أو أنه اختلس، أو أنه زور وزيف. أو أنه فعل شيئا يحقره في أعين الناس أو يعرضه للعقوبة ؛ كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض. أو في غير ذلك، وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر.
وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الحلال والحرام نضرب هذا المثل : أنت إن أعجبك شيء في بيت جارك، طلبته منه أعطاك إياه، فأنت لا تخشى أن يعرف الناس ما حدث. ولكن إذا أعجبك شيء في بيت جارك وأردت أن تسرقه، فأنت لا تأتي في النهار ولا أمام الناس، بل تأتي ليلا وتحرص على ألا يراك أحد. ولا تدخل من باب الشقة، بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذا تدخل منه دون أن يراك أحد. وتضع خطة للسرقة. وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد. فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة بصوت أقدام تنزعج وتجري لتختبئ وتأخذ الشيء وتكون حريصا على إخفائه وإن رآه أحد عندك انزعجت، وكل هذا عذاب يمر به كل من يجمع المال الحرام، إذن فجمع المال الحرام عذاب.
وكل من يربي أولاده من مال حرام لا يبارك الله له فيهم، فإما أن ينشأ الواحد منهم عذابا لأبيه في تربيته فيرسب في الامتحانات. ويتلف المال في الإنفاق بلا وعي. فكلما أعطيته أكثر احتاج إلى المزيد من المال أكثر. ومثل هذا الابن لا يطيع أباه، ويكون العذاب الأكبر حينما ينشأ أحد أبناء هذا الإنسان ويكون الابن مؤمنا إيمانا صادقا بالله، فيرفض أن يأكل أو يلبس من مال أبيه، أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره، ويتمرد دائما عليه.
وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو عامر عدوا لله ورسوله. وكان ابنه حنظلة(٢) مؤمنا، وكلمات رأى أبو عامر ابنه كان قلبه يغلي بالغيظ، وعندما نودي للقتال، وسمع حنظلة نداء الجهاد بعد أن فزع من الاستمتاع مع زوجته(٣) فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة، بل سارع إلى الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد في المعركة. ولكن كيف عرف الصحابة قصة حنظلة، مع أن هذه المسألة تكون سرا بين الرجل وزوجته لا يعرفه أحد ؟ لقد عرف المؤمنون بخبر حنظلة حين رأى رسول الله صلى الله عله وسلم بإشراقات الله أن الملائكة تنزل من السماء وتغسل حنظلة. ولما كان الشهيد لا يغسل(٤)، فقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس غسلا من الشهادة، وإنما هو غسل حتى لا يقبل الشهيد على الله وهو جنب، رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما حدث لحنظلة، وعندما عاد إلى المدينة بعث إلى زوجة حنظلة وسألها : ماذا حدث ساعة خروج حنظلة إلى المعركة ؟ فقالت : إنه عندما سمع نداء القتال، خرج بدون غسل(٥). وتأمل كيف نزلت الملائكة لتغسل شهيدا هو ابن عدو لله ورسوله. وكيف يكون هذا غيظا في قلب الأب.
وقصة أخرى : سيدنا عبد الله بن أبيّ ؛ والده عبد الله بن أبيّ كان زعيم المنافقين في المدينة، وهو الذي انسحب يوم أحد ومعه ثلث المقاتلين من المعركة(٦). ويسمع عبد الله أن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، يطلبون منه الإذن بقتل والده ابن أبيّ، وانظروا إلى الإيمان. فها هو الابن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له : يا رسول الله إن كنت آمرا بقتل أبي فأمرني أنا بقتله ؛ حتى لا ألقى قاتله من المسلمين وفي قلبي غل عليه (٧). وعندما يسمع الأب أن ابنه يطلب أن يكون هو قاتله، أليس عذابا هذا في قلبه ؟ وهكذا نرى أن الأموال والأولاد الذين كان من المفروض أن يكونوا نعمة يصبحون نقمة، أليس هذا عذابا في الدنيا ؟
ولكن غير المؤمنين لا يلتفتون إلى واهب النعمة، ولا إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الآخرة، ولا يتنبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن الله قد أعد الأرض بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا الخليفة، أي : أنه أقبل على عالم كامل من كل شيء ؛ معدا له إعدادا فوق قدراته وطاقاته.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي : " خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشغل بما هو لك عما أنت له ".
أي لا تشتغل بالنعمة عن المنعم، تماما كما يدخل الإنسان إلى وليمة كبيرة، فيجد المائدة معدة بكل ألوان الطعام، وصاحب المائدة واقف فلا يحييه ولا يسلم عليه ويذهب مباشرة إلى الطعام، فيحس الناس أن هذا الإنسان جاحد بكرم الضيافة. بينما نجد رجلا آخر يدخل فيسلم على صاحب الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به، الأول : انشغل بالنعمة، والثاني : لم ينسه انشغاله بالنعمة أن يشكر من أعدها له.
ومثال آخر : إن الصحة هي من أثمن النعم. أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به الإنسان ؛ لأن الصحة هي التي تجعل الإنسان يتمتع بنعم الحياة، أما المرض فيحرمه من هذه النعمة. ولذلك فعندما يمرض الإنسان يعوضه الله بأنه بدلا من أن يكون في معية النعمة، يكون في معية المنعم وهو الله سبحانه. ولذلك يقول في حديث قدسي :
" عبدي فلان مرض فلم تعدني. فيقول له : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ فيقول له : أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده(٨).
قولوا لي بالله : أيضيق أي مريض عندما يعرف الصحة كانت نعمة من الله وفرقته، ولكن المرض جعله مع المنعم، وهو الله سبحانه وتعالى ؟ لا، بل إن ذلك يخفف عند وطأة المرض، ويجعله أن الأنس بالله يخفف عنه الآلام. ولكنك للأسف تجد الإنسان غير منطقي مع نفسه، فالعالم خلق من أجل الإنسان. والإنسان خلق ليعبد الله. ولكنك تجده لا يلتفت لما خلق من أجله، بل يلتفت للأشياء التي خلقت له. وقد كان من المنطقي أن ينشغل بما خلق من أجله.
وإذا أخذنا مثلا منطق الإنسان مع الزمن، نجد أن الزمن إما أن يكون حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا. فإذا أردنا أن نذهب إلى ما لا نهاية نقول : إن الزمن حاضر وأزلي وأبدي. والأزلي : هو القديم بلا بداية. والأبد : هو المستقبل بلا نهاية والحاضر : هو ما نعيش فيه.
والوجود الذي تراه أمامك خلقه الحق سبحانه واجب الوجود وبكلمة " كن " جاء كل " ممكن الوجود " ؛ لأن كل وجود يحتاج إلى موجد هو وجود ممكن، وسيأتي له عدم. أما الوجود غير المحتاج إلى موجد فهو وجود لا ينتهي أي : أن واجب الوجود هو وجود الله وحده سبحانه و

١ قال تعالى:يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون(التوبة: ٦٤). قال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا هذا. وقال الحسن: كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته. انظر ابن كثير في تفسيره (٢/٣٦٦) والقرطبي (٤/٣١٢١)..
٢ هو: حنظلة بن الراهب عبد عمروا بن صيفي الأوسي وكنية أبيه أبو عامر، وحنظلة من أهل الصفة..
٣ جاء في مستدرك الحاكم("/٢٠٤) أن هذه كانت أول ليلة له مع زوجته، وترك جنينا في أحشائها ولد عام ٤ هـ هو عبد الله، وأصبح من أعلام التابعين وشجعانهم، ولاه أهل المدينة أمرهم فقاتل جيش يزيد ابن معاوية قتالا شديدا حتى قتل عام٦٣هـ. انظر الأعلام للزركلي (٤/٩٩)..
٤ عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شهداء أحد: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم... أخرج البخاري في صحيحه (١٣٤٣) وأبو داود (٣١٣٨) والترمذي (١٠٣٦) وابن ماجة (١٥١٤) و النسائي (٤/٦٢) في سننهم. وقد أخرج أحمد في مسنده عن جابر أيضا (٣/٢٩٩):" لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم".
٥ أخرجه أبو نعيم في حلية الأوليا ء (١/٣٥٧) والحاكم في المستدرك (٣/٢٠٤) وصححه والبيهقي في دلائل النبوة (٣/٢٤٧) والبيهقي في سننه الكبرى (٤/١٥). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن صاحبكم-يعني حنظلة- لتغسله الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه" فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. فقال صلى الله عليه وسلم:"لذلك غسلته الملائكة"..
٦ قال ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بالشوط-بين المدينة وأحد- انخزل عنه عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني (يقصد محمدا صلى الله عليه وسلم)، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب. انظر سيرة النبي لابن هشام(٣/٨).
٧ أورده ابن كثير في تفسير آية ليخرجن الأعز منها الأذل (المنافقون: ٨) بنحو ألفاظه وعزاه لابن إسحاق..
٨ أخرج مسلم في صحيحه (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟" الحديث..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير