ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ

٦- التوكل على الله بمعنى تفويض الأمر إليه بعد اتخاذ الأسباب من أصول الإيمان.
٧- الجواب الثاني الحاسم عن فرح المؤمنين بمصائب المؤمنين: أن المؤمنين ينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وأما المنافقون فينتظرون إحدى السوأتين: العذاب الإلهي بالإهلاك الشامل في الدنيا كما عذبت الأمم الخالية، كعاد وثمود، أو العذاب على أيدي المؤمنين بالقتل أو غيره.
إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهم وتعذيبهم في الدنيا والآخرة
[سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٣ الى ٥٥]
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥)
الإعراب:
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين.
أَنْ تُقْبَلَ فاعل منع، والضمير في مِنْهُمْ وأَنْ تُقْبَلَ: مفعولا منع.
وَهُمْ كُسالى مبتدأ وخبر، والجملة حالية.

صفحة رقم 247

البلاغة:
أَنْفِقُوا: أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك وتعالى: قُلْ: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا.
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
أَنْفِقُوا في طاعة الله كالجهاد لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ما أنفقتموه إِنَّكُمْ تعليل لرد إنفاقهم فاسِقِينَ الفسق: التمرد والعتو كُسالى متثاقلون وَهُمْ كارِهُونَ النفقة لأنهم يعدونها مغرما فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي لا تستحسن نعمنا عليهم، فهي استدراج لِيُعَذِّبَهُمْ أي أن يعذبهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بما يلقون في جمعها من المشقة وما فيها من المصائب وَتَزْهَقَ تخرج وَهُمْ كافِرُونَ فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب.
سبب النزول: نزول الآية (٥٣) :
قُلْ: أَنْفِقُوا: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: قال الجدّ بن قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي، قال: ففيه نزلت: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ أي لقوله: أعينك بمالي. فهذه الآية نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: هذا مالي أعينك به، فاتركني.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى عاقبة المنافقين وهي العذاب في الدنيا والآخرة، أعقب ذلك ببيان أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر كالإنفاق على الجهاد، فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة لأنهم يفعلونه رياء وسترا على نفاقهم من الفضيحة.
والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم، وأن

صفحة رقم 248

أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا والآخرة، فأموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدارين.
والآيات من [٤٢] وما بعد هذه الآية إلى الآية [٥٩] كلها في المنافقين، ثم جاءت آية مصارف الزكاة.
التفسير والبيان:
قل أيها النبي للمنافقين: مهما أنفقتم من نفقة في سبيل الله ووجوه البر طائعين أو مكرهين، لن يتقبل منكم لأنكم كفرتم بالله ورسوله، وما زلتم في شك مما جاء به الرسول من الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة، ولأنكم قوم فاسقون أي عتاة متمردون خارجون عن الإيمان، والأعمال إنما تصح بالإيمان، إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة ٥/ ٢٧] وقوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ.. تعليل لرد إنفاقهم وعدم القبول منهم في الدنيا والآخرة: وهو أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين، أي كافرين.
وقوله: طَوْعاً أَوْ كَرْهاً معناه: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق، لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم.
وعدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقا، بل بخصوص وصفه: وهو كون ذلك الفسق كفرا، لذا صرح الله تعالى في الآية التالية بذلك فقال:
وَما مَنَعَهُمْ... أي وما منع قبول نفقاتهم إلا مجموع هذه الأمور الثلاثة: وهي الكفر بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا في حال الكسل، والإنفاق على سبيل الكراهية.

صفحة رقم 249

فهم كفروا بالله ورسوله وبما جاء به، والأعمال إنما تصح بالإيمان، كما ذكرت، ولا يصلون إلا وهم متكاسلون لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها عقابا، فهي ثقيلة عليهم، كقوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة ٢/ ٤٥].
ولا ينفقون نفقة في سبيل الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لها، لا تطيب بها أنفسهم لأنهم لا ينفقون لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة، وسترا للنفاق، ويعدون الإنفاق مغرما وخسارة بينهم. وقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن الله لا يمل حتى تملوا، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء المنافقين نفقة ولا عملا لأنه إنما يتقبل من المتقين، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار.
فلا تعجبك أيها النبي وأيها السامع أموالهم ولا أولادهم ولا سائر نعم الله عليهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات عليهم. والإعجاب بالشيء: السرور به مع التعجب والافتخار من حسنه، والاعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه.
أما أموالهم في الدنيا فهي سبب لتعذيبهم بها حيث يتعبون في جمعها، ويصحبها الهم والقلق، ثم ينفقونها كارهين في الجهاد والزكاة وفي سبيل الله وتقوية المسلمين، وكذلك أولادهم ربما يموتون في الحروب، فيحزنون عليهم أشد الحزن، وفي الآخرة يعذبون عذابا شديدا، حيث يموتون على الكفر الذي يحبط العمل الصالح، وهذا من قبيل الاستدراج لهم فيما هم فيه، وتكون النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. والاستدراج بالنعم: الإمداد بها مع البقاء على المعصية، مثل قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آل عمران ٣/ ١٧٨].
فما يظنون أنه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم، وبه

صفحة رقم 250

يظهر أن النفاق مرض خطير جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل لجميع الخيرات فيهما.
ونظير الآية قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه ٢٠/ ١٣١] وقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون ٢٣/ ٥٦- ٥٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيتين دلالة على ما يأتي:
١- إن أفعال الكافر الخيرية كصلة القرابة وإغاثة الملهوف قد تفيده في الدنيا بدفع ضرر أو سوء، ولكن لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة. بدليل
ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟
قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين»
. وروي عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد ومسلم: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها».
والصحيح أن إفادته من حسناته في الدنيا مقيّد بمشيئة الله المذكورة في قوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء ١٧/ ١٨].
والخلاصة: أن شيئا من أعمال البر لا يكون مقبولا عند الله، مع الكفر بالله. أما قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة ٩٩/ ٧] فيراد به بالنسبة للكافر تأثير الخير في تخفيف العقاب أو العذاب عنه.

صفحة رقم 251

٢- لم تكن أعمال الخير في الظاهر، الصادرة من المنافقين عن إيمان وقناعة وطيب نفس، وإنما كانت في الواقع عن إكراه نفسي، سترا على نفاقهم، فهم لم يؤدوا الصلاة إلا وهم كسالى متثاقلون في أدائها، ولم ينفقوا نفقة في سبيل الله كالزكاة والجهاد، لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة لأنهم يعدّون النفقة مغرما، ومنعها مغنما، وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبّلة ولا مثاب عليها، حسبما تقدم.
٣- الأموال والأولاد قد تكون سببا للعذاب في الدنيا، وقد تكون سببا للعذاب في الآخرة. أما الأموال في الدنيا فهي عذاب على المنافقين في كسبها وفي إنفاقها، فكسبها يحتاج إلى عناء شديد، والحفاظ عليها يتطلب الحذر، ويصحبها القلق والهم، والتهديد بالضياع والخسارة، وقد تؤدي إلى قسوة القلب والطغيان، كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق ٩٦/ ٦] وإنفاقها يكون كرها لا طواعية، فيعذبون بما ينفقون، وأما الأولاد فقد يموتون في الجهاد، فيعقب موتهم الحزن والغم والندم، وقد يؤمنون فيحترق الآباء غيظا عليهم، مثل حنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي شهد بدرا وكان من الله بمكان. وأما في الآخرة فيعذبون إذا اكتسبوا الأموال من حرام، وإذا آمن الأولاد وتبرموا من نفاق الآباء نجوا من العذاب الدائم.

صفحة رقم 252

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية