قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم الإعجاب بالشيء : أن يسرّ به سروراً راض به متعجب من حسنه، قيل : مع نوع من الافتخار، واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه. والمعنى : لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد : إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا بما يحصل معهم من الغمّ والحزن عند أن يغنمها المسلمون، ويأخذوها قسراً من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرّة أعينهم، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين، فيعذبون بما ينفقون. قوله : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون الزهوق : الخروج بصعوبة، والمعنى : أن الله يريد أن تزهق أنفسهم وتخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة.
وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ : قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا قال : إلا ما قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين قال : فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله : أَوْ بِأَيْدِينَا قال : القتل بالسيوف. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : قال الجد بن قيس : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، قال : ففيه نزلت : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الآية.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم قال : هذه من تقاديم الكلام، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا وَهُمْ كافرون قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك، في قوله : فَلاَ تُعْجِبْكَ يقول : لا يغررك وَتَزْهَقَ قال : تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ الآية قال : الملجأ : الحرز في الجبال، والمغارات : الغيران، والمدّخل : السرب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ وَهُمْ يَجْمَحُونَ قال : يسرعون.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني