ثم يقول الحق سبحان وتعالى :
ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون( ٥٦ ) .
لماذا أتى الله بهذه الآية بعد أن حذرنا من أن نعجب بأموال المنافقين وأولادهم ؟ لأن هذه ليست نعمة لهم ولكنها نقمة عليهم، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشحننا ضد المنافقين وأن يجعلنا نحذر منهم كل الحذر، ويضرب لنا المثل باليمين، واليمين لا ينطق بها الإنسان عادة إلا بعد شبهة إنكار. فإذا جئت لإنسان بخبر وصدقه فأنت لا تضطر لأن تحلف له.
ولكن إذا أنكره فأنت تحلف لتزيل شبهة الإنكار لنفسه، ولذلك فأنت حين تروي الخبر لأول مرة لا تحلف، فإذا أنكره سامعك حلفت.
ولكن لماذا يحلف المنافقون دون سابق إنكار ؟.
إنهم يسمعون القرآن الذي ينزل من السماء مملوءا بالغضب عليهم، وهم يشعرون في داخل صدورهم أن كل مسلم في قلبه شك من ناحية تصرفاتهم، فيبدأ كلامهم بالحلف حتى يصدقهم المؤمنون١، والمؤمنون قد متعهم الله بمناعة إيمانية، في صدورهم ؛ فلا يصدقون ما يقوله المنافقون، حتى يأخذ حذرهم ويكونوا بمنجاة مما يدبره هؤلاء المنافقون من أذى، ولذلك حذر سبحانه وتعالى المؤمنين من تصديق كلام المنافقين حتى ولو حلفوا.
ولو لم يعط الله المؤمنين هذه المناعة الإيمانية لصدقوا قول المنافقين بقداسة اليمين. وبماذا حلف المنافقون ؟ لقد حلفوا بأنهم من المؤمنين والحقيقة أنهم في مظاهر التشريع يفعلون كما يفعل المؤمنون، ولكن قلوبهم ليس فيها يقين أو صدق.
وما داموا على غير يقين وغير صدق، فلماذا يحلفون ؟ نقول : إن هذا هو تناقض الذات، وأنت تجد المؤمن غير متناقض مع نفسه ؛ لأنه مؤمن بقلبه ومؤمن بذاته، ومؤمن بجوارحه، ولا توجد ملكات تتناقض فيه، والكافر أيضا غير متناقض مع نفسه ؛ لأنه يعلن صراحة أنه لا يؤمن بالله ولا برسوله، فليس هناك تناقض بين ظاهره وباطنه، وصحيح أن فيه ملكة واحدة، ولكنها فاسدة، ولكن ليس فيه تناقض بين ما يفعل ظاهرا وما في قلبه.
أما المنافق فتتناقض ملكاته. فهو يقول بلسانه :" أنا مؤمن وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ". لكن قلبه يناقض ما يقوله، فلا يشهد بوحدانية الألوهية لله، ولا يصدق رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة " المنافقون " :
{ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون( ١ ) ( المنافقون ).
كيف يقول الحق سبحانه وتعالى إن المنافقين لكاذبون ، مع أنهم شهدوا بما شهد به الله، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله ؟ نقول : إن الحق أراد أن يفضحهم، فهم قد شهدوا بألسنتهم فقط ولكن قلوبهم منكرة. وفضح الله ما في قلوبهم وأوضح أن ألسنتهم تكذب ؛ لأنها لا تنقل صدق ما في قلوبهم.
إذن : فالمنافق يعيش في تناقض مع نفسه، وهو شر من الكافر ؛ لأن الكافر يعلن عداءه للدين فهو عدو ظاهر لك فتأخذ حذرك منه. أما المنافق فهو يتظاهر بالإيمان، فتأمن له ويكون إيذاؤه أكبر، وقدرته على الغدر أشد. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى :
{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.... ( ١٤٥ ) ( النساء ).
ونحن نعلم أن تناقض الذات هو الذي يتعب الدنيا كلها، ويبين لنا المتنبي هذه القضية، ويشرح كيف أنها أتعب شيء في الوجود، فيقول :
| ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى | عدوا له ما من صداقته بد |
| على الذم بتنا مجتمعين وحالنا | من الخوف حال المجمعين على الحمد |
| كفانا هوانا من تناقض ذاتنا | متى تصدق الأقوال بالألسن الخوف |
ويكمل الحق سبحانه تعالى الصورة بقوله :
ويحلفون إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون والفرق معناه : الخوف، أي أنهم في فزع دائم، ويخافون أن يفتضح أمرهم فيعزلهم مجتمع الإسلام ويحاربهم محاربته للكفار. ويشردهم ويأخذ أموالهم ويسبى نساءهم وأولادهم، إذن : فالخوف هو الذي جعلهم يحلفون كذبا وخوفا من افتضاح أمرهم ؛ ولذلك قال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم عنهم :
ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول... ( ٣٠ ) ( محمد ).
وفي هذا القول دعوة لفحص ما يقله أهل النفاق، حتى وإن بدا القول على ألسنتهم جميلا٢.
٢ وفي هذا يقول تعالى عن المنافقين:وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم (المنافقون: ٤) قال الكلبي: المراد عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير، كانت لهم أجسامهم ومنظر وفصاحة. أما لحن القول المذكور في آية سورة محمد، أي: لتعرفنهم يا محمد في معنى الكلام وفحواه ودلالته غير الظاهرة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي