ثم إن الله قال : ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله [ التوبة : آية ٥٩ ] معروف في علم العربية أن ( لو ) حرف شرط في الماضي، وأن حروف الشرط إنما تتولى الجمل الفعلية، ومعلوم أن ( أن ) في قوله : ولو أنهم رضوا في محل مصدر، والمصدر الذي هي في محله اسم. والعلماء يجيبون عن هذا بأن متعلق ( لو ) محذوف (١) عامل في قوله : أنهم والمعنى : ولو ثبت، أو لو وقع أنهم فعلوا كذا لكان خيرا لهم ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله رضوا أصله :( رضيوا ) أصله ( فعل ) وأصل لامه واو ؛ لأن أصل رضي ( رضو ) بالواو ؛ لأنك تقول منها : الرضوان بالواو، ولا تقول : الرضيان بالياء. أصلها ( رضو ) بالواو فتطرفت الواو بعد كسرة فوجب إبدالها ياء، فقيل فيها ( رضي ) بالياء من الواو (٢) ومن المعروف في علم التصريف أن كل فعل ناقص – أعني معتل الآخر – إذا أسند إلى واو الجمع حذفت لامه، أصله ( رضيو ) والياء مبدلة من واو، فحذفت اللام التي هي ياء أصلها واو وجعلت كسرتها ضمة لمجانسة الواو، فلذا قيل فيه :( رضوا ) وأصل وزن الكلمة بالميزان الصرفي ( فعلوا ) ووزنها الحاضر الآن ( فعوا ) لأنها محذوفة اللام. وهذا معنى قوله : فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها شيئا إذا هم يسخطون ( إذا ) الفجائية تأتي جوابا للشرط كما هو معروف في محله. ثم إن الله قال : ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله لو رضوا بنصيب الله الذي قسم لهم كما يعطى لسائر المسلمين من الصدقات وغيرها ( وقالوا حسبنا الله ) حسبنا معناه : يكفينا الله ( جل وعلا ) ؛ لأن في الله خلفا من كل شيء، وكفاية من كل شيء، فمعنى حسبنا الله يكفينا الله سيؤتينا الله سيعطينا الله من فضله، أي : من فضل على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيؤتينا رسوله ما أمره الله به أن يؤتينا، لو حسنوا الظن بالله، وتوكلوا على الله، ورغبوا فيما عند الله، وقالوا : إنا إلى ربنا راغبون. أي : رغبتنا إليه، ورهبتنا إليه ؛ لأن طمعنا وأملنا كله فيه ؛ لأن المؤمن بمعناه الصحيح رغبته إلى الله ؛ لأنه يطيع الله ويتقيه ويرغب فيما عند الله ( جل وعلا ) من الخير، كما قال تعالى مادحا للأنبياء : إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا [ الأنبياء : آية ٩٠ ] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم : فإذا فرغت فانصب ( ٧ ) وإلى ربك فارغب ( ٨ ) [ الشرح : الآيتان ٧، ٨ ] لأن الرغبات كلها إلى الله ( جل وعلا ) ؛ لأنه هو الذي بيده الخير، وكل شيء بيده، فرغبة المؤمن إليه ( جل وعلا ) يستنزل رحمات الله وما يرجو من الله بطاعة الله ( جل وعلا ) وتقواه. وهذا معنى قوله : ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسولهم وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ( ٥٩ ) [ التوبة : ٥٩ ] جواب ( لو ) محذوف دل المقام عليه، والتقدير : لو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم. وقد جاء في القرآن وفي كلام العرب حذف جواب ( لو ) إذا دل المقام عليه، فهو كثير في القرآن وفي كلام العرب فمن أمثلة حذف جواب ( لو ) في القرآن مع دلالة المقام عليه قوله تعالى : كلا لو تعلمون عليم اليقين ( ٥ ) [ التكاثر : آية ٥ ] أي : لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، ومنه قوله تعالى : ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى [ الرعد : آية ٣١ ] فجواب ( لو ) محذوف واختلف العلماء في تقديره على قولين متقاربين (٣) : قال بعضهم : تقدير جواب ( لو ) في آية الرعد هذه ولو أن قرءانا سيرت به الجبال لكان هذا القرآن على حد قوله (٤) :
ولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر
وقال بعض العلماء : تقديره : ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض لكفروا بالرحمن. ويدل لهذا قوله بعده : وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو [ الرعد : آية ٣٠ ] ومن حذف جواب ( لو ) في كلام العرب قول الشاعر (٥) :
فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
يعني : لو شيء أتانا رسول سواك لدفعناه. وهذا معنى قوله : ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله إلى قوله : إنا إلى الله راغبون [ التوبة : آية ٥٩ ].
٢ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ٣٨٨ – ٣٨٩..
٣ مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنفال وراجع ما تقدم عند تفسير الآية (١٠٩) من سورة الأنعام..
٤ السابق..
٥ مضى عند تفسير الآية (٥٠) من سورة الأنفال..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير