وهنا يأتي الحق سبحانه وتعالى بالعلاج فيقول جل جلاله :
ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون( ٥٩ ) .
كيف يقول الحق سبحانه وتعالى : ما آتاهم مع أنهم لم يأخذوا شيئا، بل إنهم قد سخطوا ؛ لأنهم لم يأخذوا شيئا.
نقول : إن الله يريد أن يلفتهم إلى أن له عطاء في المنح وعطاء في المنع. فعطاء الحق سبحانه لمن أخذ، وحرمان الحق سبحانه للبعض، وكل ذلك فيه عطاء من الحق جل وعلا، ولكن الناس لا يلتفتون إلى ذلك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين منع الغنائم عن الأنصار في حنين أخذوا المعية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر وأسمى من الغنائم، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" المحيا محياكم، والممات مماتكم. لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار " ١.
وبذلك أخذوا ما هو أكبر وأهم وأعظم من الغنائم. إذن فقد يكون في المنع إيتاء.
الحق سبحانه وتعالى يقول : ما آتاهم الله ورسوله وهو عز وجل المشرع، والرسول عليه الصلاة والسلام هو المبلغ والمنفذ، فإذا ما رضوا بقسمة الله، فالرضاء عمل قلبي كان عليهم أن يترجموه بكلام نزوعي هو : وقالوا حسبنا الله فكأن الرضا عمل القلب، والتعبير عن الرضا عمل اللسان، وما داموا قد احتسبوا الأمر عند الله، فالله هو الذي يرعى، وفي عطائه خير وفي منعه خير. ولذلك نجد الطيبين من الناس إن غلبوا على أمرهم يقولون : إن لنا ربا، أي : إياك أن تفهم أنك حين منعتني أو أخذت حقي بأن اعتديت علي ستمضي بهذا الفعل دون عقاب ؛ لأن لي ربا يغار علي، وسبحانه سيعوضني أكثر مما أخذت، ويجعل ما أخذته مني قسرا ؛ نقمة عليك.
ولذلك فأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن ليس هو الصلة بالنعمة ولكن الصلة بالمنعم. وفي أن الله هو القادر على أن يعوض أي شيء يفوت.
ويوضح لنا سبحانه الصورة أكثر فيقول : سيؤتينا الله من فضله أي سيعوضنا عنها بخير منها. وعطاء الله دائما فضل ؛ لأنه يعطي الإنسان قبل أن يكون قادرا على عبادته، حتى وهو في بطن أمه لا يقدر على شيء، فإذا كنت في الدنيا قد فكرت بالعقل الذي خلقه لك الله، وعملت بالطاقة التي خلقها لك الله، وفي الأرض التي خلقها الله، فإنك في بطن أمك لم تكن قادرا على أي شيء. وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت تحيا في كون مليء بنعم الله، لم تخلق فيه شيئا، ولم توجد فيه خيرا. وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم، فلا أنت أوجدت الأرض ولا صنعت الشمس، بل إن نعمة واحدة من نعم الله، وهي المطر ؛ إن توقفت هلك كل من في الأرض. ونلمس أثر ذلك حين تأتي مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم، ونرى كيف يهلك كل شيء ؛ والزرع والإنسان والحيوان.
والحق سبحانه وتعالى قد خلقنا في عالم أغيار، فالقادر اليوم قد يصبح غير قادر غدا، والصحيح اليوم قد يصبح مريضا معلولا غدا، والقوي يضعف، حتى نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة ليست أمورا ذاتية فينا، ولكنها منحة من الله ؛ يأخذها وقتما شاء، ونرى القوي الذي كان يفتك بيده ويؤذي بها غيره ويذل الناس بها. نراه وقد أصيبت يده، فلا تصل إليها الأوامر من المخ فتشل. إذن : فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه، بل هي من فضل الله سبحانه وتعالى، فكل شيء في الكون هو من فضل الله.
والحق سبحانه وتعالى يقول :
سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ويقال : رغب في كذا أي أراده، ويقال : رغب عن كذا، أي ترك هذا الأمر. ويقال : رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه. وهنا قال الحق : إنا إلى الله راغبون وما دمنا إلى الله راغبين، كان يجب ألا نعزل عطاء الدنيا عن عطاء الآخرة، فالدنيا ليست كل شيء عندك ؛ ما دمت راغبا إلى الله الذي سيعطيك نعيما لا حدود له في الآخرة. ولذلك فرغبتنا في الله كان يجب ألا تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا، لأن هناك نعيما بلا حدود ينتظرنا في الآخرة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي