قال الله تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأرجه حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون [ التوبة : ٦ ].
وفيها مسألتان :
المٍسألة الأولى : القرآن كلام الله تعالى.
المسألة الثانية : حكم قول : لفظي بالقرآن مخلوق.
المسألة الأولى :
[ ١٥ ] القرآن كلام الله تعالى.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى :
( وأن القرآن الذي في المصاحف بأيدي المسلمين شرقا وغربا، فما بين ذلك من أول أم القرآن إلى آخر المعوذتين : كلام الله عز وجل، ووحيه أنزله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. من كفر بحرف منه، فهو كافر.
قال الله تعالى : فأجره حتى يسمع كلام الله [ التوبة : ٦ ].
وقال تعالى : وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا [ الشورى : من الآية ٧ ] )١.
ولما رد رحمه الله تعالى قول من قال : إن جبريل لم ينزل بكلام الله بل بما هو عبادة عن كلام الله عز وجل، وما نسمع ونقرأ ليس هو القرآن البتة، قال :( وهذا من أعظم الكفر، لأن الله تعالى قال : نزل به الروح الأمين على قلبك [ الشعراء : ١٩٣-١٩٤ ].
وقال تعالى :{ فأجره حتى يسمع كلام الله ).
وقال تعالى : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [ العنكبوت : ٤٩ ].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما أحب أن أٍسمعه من غيري )٢ يعني القرآن، وقال عليه السلام :( الذي يقرأ القرآن مع السفرة الكرام البررة )٣. ونهيه عليه السلام أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو٤، إلى إجماع عامة المسلمين وخاصتهم وجاهلهم وعالمهم على القول : حفظ فلان القرآن، وقرأ فلان القرآن، وكتب فلان القرآن في المصحف، وسمعنا القرآن من فلان، وهذا كلام الله تعالى في المصحف من أول أم القرآن إلى آخر قل أعوذ برب الناس ٥.
كما نقل الإجماع على هذا القول في هذه المسألة٦.
المسألة الثانية :
[ ١٦ ] حكم قول : لفظي بالقرآن مخلوق.
قال ابن حزم :
( قال أبو محمد : وقد قال قوم في اللفظ بالقرآن، ونسبوا إلى أهل السنة أنهم يقولون : إن الصوت غير مخلوق، وإن الخط غير مخلوق.
قال أبو محمد : وهذا باطل، وما قال قط مسلم : إن الصوت الذي هو الهواء غير مخلوق، وإن الخط غير مخلوق.
ثم نقول : إن قولنا : القرآن، وقولنا : كلام الله تعالى، لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء، فنسمي الصوت المسموع الملفوظ به : قرآنا، ونقول : إنه كلام الله تعالى على الحقيقة، وبرهان ذلك :
قول الله عز وجل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون [ التوبة : ٦ ].
وقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن [ المزمل : ٢٠ ].
وأنكر على الكفار، وصدق مؤمني الجن في قولهم : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد [ الجن : ١-٢ ].
فصح أن المسموع، وهو الصوت الملفوظ به : هو القرآن حقيقة، وهو كلام الله تعالى حقيقة، ومن خالف هذا، فقد عاند القرآن، ويسمى المفهوم من ذلك الصوت قرآنا، وكلام الله تعالى على الحقيقة، فإذا فسرنا الزكاة المذكورة في القرآن والصلاة والحج وغير ذلك قلنا : في كل هذا : هذا كلام الله، وهو القرآن ويسمى القرآن المصحف كله قرآنا وكلام الله، وبرهاننا على ذلك قول الله تعالى : إنه لقرآ، كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون [ الواقعة :[ ٧٨-٧٩ ].
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يناله العدو، وقوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [ البينة : ١-٣ ].
وكتاب الله تعالى هو القرآن بإجماع الأمة، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المصحف قرآنا، والقرآن كلام الله تعالى بإجماع الأمة، فالمصحف كلام الله تعالى حقيقة، لا مجازا، ويسمى المستقر في الصدور : قرآنا، ونقول : إنه كلام الله تعالى، برهاننا على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمر بتعاهد القرآن، وقال عليه السلام : " إنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها " ٧.
وقال تعالى : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [ العنكبوت : ٤٩ ] فالذي في صدور الرجال، هو القرآن، وهو كلام الله عز وجل حقيقة، لا مجازا.
قال أبو محمد : فهذه خمسة معان يعبر عن كل معنى منها بأنه قرآن، وبأنه كلام الله تعالى، ويخبر عن كل واحد منها أخبارا صحيحة، بأنه قرآن، وبأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة اللذين أجمع عليهما جميع الأمة، وأما الصوت فهو هواء يندفع من الحلق والصدر والحنك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامع. وهو حروف الهجاء، والهواء وحروف الهجاء وكل ذلك مخلوق بلا خلاف. وقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [ إبراهيم : ٤ ].
وقال تعالى : بلسان عربي مبين [ الشعراء : ١٩٥ ].
ولسان العربي، ولسان كل قوم هي لغتهم، واللسان واللغات كل ذلك مخلوق بلا شك. والمعاني المعبر عنها بالكلام المؤلف من الحروف المؤلفة، إنما هي الله تعالى، والملائكة، والمؤمنون، وسموات، وأرضون، وما فيها من الأشياء، وصلاة، وزكاة، وذكر أمم خالية، والجنة والنار، وسائر الطاعات والمعاصي، كل ذلك مخلوق حاشى الله تعالى وحده لا شريك له، خالق كل ما دونه.
وأما المصحف، فإنما هو ورق من جلود الحيوان، ومركب منها ومن مداد مؤلف من صمغ، وزاج، وعفص وماء، وكل ذلك مخلوق بلا شك، وكذلك حركة اليد في خطه، وحركة اللسان في قراءته، واستقرار كل ذلك في النفوس، هذه كلها أعراض مخلوق٨.
قال أبو محمد : ولما كان اسم القرآن يقع على خمسة أشياء وقوعا مستويا صحيحا، منها : أربعة مخلوقة، وواحد غير مخلوق، لم يجز لأحد البتة أن يقول : القرآن مخلوق. ولا أن يقول إن كلام الله تعالى مخلوق، لأن قائل هذا كاذب، إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه مما يقع عليه اسم القرآن، واسم كلام الله عز وجل، ووجب ضرورة أن يقال : إن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وإن كلام الله تعالى لا خالق ولا مخلوق، منه ليست خالقه، فلا يجوز أن يطلق على القرآن، ولا على كلام الله تعالى اسم خالق، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق، ولا يجوز أن يطلق صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة، بل واجب أن يطلق بغير تلك الصفة التي للبعض عن الكل...
ولو أن قائلا قال : إن الله٩ مخلوق، وهو يعني صوته المسموع : الألف، واللام، واللام، والهاء، أو الحبر الذي كتاب هذه الكلمة، فكان في ظاهر قوله عند جميع الأمة كافرا ما لم يبين، فيقول : صوتي، أو هذا المكتوب مخلوق.
قال أبو محمد : فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة الذي لم نتعد فيه ما قاله الله عز وجل، ولا ما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمعت الأمة كلها على جملته، وأوجبته الضرورة والحمد لله رب العالمين. فإن سأل سائل عن اللفظ بالقرآن قلنا له : سؤالك هذا يقتضي أن اللفظ المسموع هو غير القرآن، وهذا باطل، بل اللفظ المسموع هو القرآن نفسه، وهو كلام الله عز وجل نفسه، كما قال الله تعالى : حتى يسمع كلام الله [ التوبة : ٦ ].
وكلام الله تعالى غير مخلوق لما ذكرنا، وأما من أفرد السؤال عن الصوت، وحروف الهجاء، والحبر، فكل ذلك مخلوق بلا شك )١٠.
٢ أخرجه البخاري (٤٥٨٢) في كتاب التفسير: باب (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد...) من حديث ابن مسعود..
٣ أخرجه البخاري (٤٩٣٧) في التفسير: باب سورة عبس، ومسلم (٧٩٨) في كتاب صلاة المسافرين: باب فضل الماهر بالقرآن. من حديث عائشة رضي الله عنها..
٤ أخرجه البخاري (٢٩٩٩٠) في كتاب الجهاد : باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ومسلم (١٨٦٩) في كتاب الإمارة: باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ولفظة: (كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو)..
٥ (الفصل) (٥/٨٠-٨١) وانظر: (الفصل) (٣/١١ وما بعدها)، (الدرة)، ص ٢١٩..
٦ انظر: (مراتب الإجماع) (ص ٢٦٨..
٧ رواه البخاري (٥٠٣٣) في كتاب فضائل القرآن: باب استذكار القرآن وتعاهده، و(مسلم) (٧٩١) في كتاب: صلاة المسافرين: باب فضائل القرآن..
٨ هكذا ولعلها (مخلوقة)..
٩ ههنا كلمة (غير) والصواب حذفها..
١٠ (الفصل) (٣/١٤-١٩). وانظر: الدرة ص ٢٥٥..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري