ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ( ٦ ) [ التوبة : آية ٦ ].
( إن ) هي الشرطية. وقوله : أحد : يقول علماء العربية : إنه مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده. أي : وإن استجارك أحد من المشركين ؛ لأن إن أداة شرط لا تتولى إلا الجمل الفعلية، فلا تتولى الجمل الاسمية ؛ ولذا يقدر فعل بعدها. ف أحد عند علماء العربية فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده ١.
والأحد معناه : الواحد، وأصل همزته مبدلة من واو، أصل الأحد :( وحد ) بواو ؛ لأن هذه المادة أصلها واوية الفاء، وكثيرا ما تقول العرب في الوحد : الأحد، وربما نطقت بلفظ الوحد على أصله ٢. ومن ذلك قول نابغة ذبيان ٣ :

كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد
وقوله : استجارك قد قدمنا أن السين والتاء للطلب فمن معاني ( استفعل ) أن السين والتاء للطلب، كقولهم : " استغفر ربه " أي : طلبه المغفرة. و " استطعم " طلب الطعام، و " استسقى " طلب السقيا، و " استنجد " طلب النجدة. وهكذا. فقوله : استجارك طلب الإجارة منك. والإجارة : هي الأمان. أن تجيره وتؤمنه من أذى قومك حتى يسمع ما أنزل إليك. وهذا معنى قوله : وإن أحد من المشركين استجارك قال بعض العلماء : لما نادى علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) في الموسم بهذه الآية من سورة براءة، أتاه قوم فقالوا : إن انتهت هذه الأشهر الأربعة وانقضت أشهر الإمهال، وكان الواحد منا يريد أن يسمع من محمد ما يقول لينظر هل يتبعه أو لا، يقتل ؟ ! فقال لهم علي : لا يقتل ؛ لأن الله يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ٤.
معنى هذه الآية الكريمة بإيضاح : أن بعض المشركين إذا أراد أن يسمع ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفهم معنى ما ينزل عليه ويعرف الأوامر التي يأمر بها، والنواهي التي ينهى عنها، والأشياء التي يدعو إليها، ليستيقن في قرارة نفسه أهو حق فيتبعه أو يعلم أنه ليس بحق فيصد عنه، وطلب أن يجار، أن يؤمن، وألا يصل إليه أذى حتى يسمع القرآن، و يفهم ما أنزل على النبي ؛ ليكون على بصيرة من أمره في الأخذ والترك، فإنه يجب أن يعطى ذلك الأمان حتى يسمع ويتلى عليه القرآن، ويفهم بما فيه من الزواجر والمواعظ، ثم بعد ذلك إن أسلم فبها ونعمت، وإن أصر على كفره وجب أن يرد إلى مأمنه وهو محل داره التي يأمن فيها. هذا معنى قوله : وإن أحد من المشركين استجارك طلبك أن تجيره وتؤمنه.
حتى يسمع كلم الله هو هذا القرآن العظيم. وهذه الآية الكريمة من سورة براءة نص صريح في أن هذا الذي نقرؤه ونتلوه هو بعينه كلام الله، فالصوت صوت القارئ، والكلام كلام البارئ ؛ لأن الله صرح بأن هذا المشرك المستجير يسمع كلام الله يتلوه عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم. فهذا المحفوظ في الصدور، المقروء في الألسنة، المكتوب في المصاحف، هو كلام الله ( جل وعلا ) بمعانيه وألفاظه. ولا شك أن أصل الكلام صفة الله ( جل وعلا ).
ونحن لا نحب إكثار الخوض فيه ؛ لأن هذه الصفة هي منشأ البلايا والمحن ٥، ولكن نقول : إن الكلام صفة الله التي لم يزل متصفا بها، فلم يتجرد يوما عن كونه متكلما، فالكلام صفته المتصف بها أزلا لم يتجرد، ومع كونه متكلما فهو في كل وقت يتكلم بما شاء كيف شاء، على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فكلامه صفته ليس بمخلوق.
وقد أشرنا – مرارا – إلى المحنة التي ابتلى الله بها المسلمين في أيام الدولة العباسية بالامتحان بالقول بخلق القرآن ؛ لأن محنة القول بخلق القرآن نشأت في أيام المأمون، ولم تزل في أيام المأمون حتى مات، واستفحلت في أيام المعتصم واستحكمت، وفي أيامه ضرب سيد المسلمين في زمانه أحمد بن حنبل ( رضي الله عنه وأرضاه )، يضرب حتى يرفع من محل الضرب لا يعرف ليلا من نهار، وإذا أفاق قالوا له : قل : القرآن مخلوق. فيقول : لا، القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وكذلك مضى زمن الواثق والمحنة قائمة على ساق وقدم، وقد أزالها الله على يد المتوكل غفر الله له وعفا عنه ؛ لأن محنة القول بخلق القرآن أزالها المتوكل على الله بعد أن مضت في زمن المأمون والمعتصم والواثق. وكان بعض المؤرخين يقولون : إنها في أخريات أيام الواثق أنها بردت وانكسرت شوكتها وضعف شرها.
وقد قدمنا في هذه الدروس السابقة ٦ أن ذلك على يد ذلك الشيخ الشامي، صاحب القصة المشهورة، وأنه شيخ جيء به من الشام أيام الواثق بالله، جيء به مكبلا بالحديد ليمتحن ويقتل في محنة القول بخلق القرآن، وجيء به، وجلس الواثق يوما – والرواية رواها الخطيب البغدادي عن ابن الواثق محمد من طرق أسانيدها فيها ما ينكر، ولكنها قصة معناها صحيح، تلقاها العلماء بالقبول – وذلك أن الواثق لما أراد قتل ذلك الشيخ الشامي ( رحمه الله ) كان إذا أراد قتل أحد أحضر ولده محمدا – وهو الذي روى الخطيب هذه القصة من طريقه – فجيء بالرجل مقيدا بالحديد، فقال للواثق : السلام عليك يا أمير المؤمنين ! ! قال : لا سلمك الله. فقال الشيخ : بئس ما أدبك مؤدبك يا أمير المؤمنين ! ! الله يقول : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها [ النساء : آية ٨٦ ] والله ما حييت بأحسن منها ولا رددتها. فقال الواثق : ائذنوا لأبي عبد الله – يعني الخبيث أحمد بن أبي دؤاد، عامله الله بما هو أهله ؛ لأنه سبب هذه البلايا والمحن – وأحضره، فقال له ابن ابي دؤاد : الرجل متكلم ! ! فقال الواثق لابن أبي دؤاد : ناظر هذا الرجل. فقال الشيخ الشامي : ابن أبي دؤاد أحقر من أن يناظرني – كما جاء في بعض روايات قصته – فقال له ابن أبي دؤاد : ما تقول في القرآن ؟ فقال الشيخ : يا بن أبي دؤاد : ما أنصفتني. يعني : أن الذي يراد أن يقدم للقتل أحق بأن يكون هو السائل. فقال له : سل. فقال : ما تقول يا بن أبي دؤاد في القرآن ؟ قال : أقول إنه مخلوق. قال : مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها، وتأمرهم بها، ويفتن الخلفاء فيها يمتحنون فيها الناس بفتياك ورأيك، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون – أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – هل كانوا عالمين بها أو لا ؟ فقال ابن أبي دؤاد : ما كانوا عالمين بها. فقال الشيخ الشامي : ما شاء الله ! ! ما شاء الله ! ! جهلها رسول الله وخلفاؤه الراشدون وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلمها ابن أبي دؤاد ! !، فقال ابن أبي دؤاد : أقلني، والمناظرة على بابها. فقال له : ذلك لك. ثم قال له : ما تقول في القرآن ؟ قال : مخلوق. قال : مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها هل كان رسول الله وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو لا ؟ قال : كانوا عالمين بها، ولكنهم لم يدعو الناس إليها. فقال له الشيخ الشامي : يا بن أبي دؤاد : ألم يسعك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما وسع رسول الله في أمته، ووسع خلفاؤه الراشدين في رعياهم ؟ ! فألقمه حجرا وسكت، وقام الواثق وجلس في محل خلوته واضطجع، وجعل رجله على ركبته وقال : جهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلمها ابن أبي دؤاد ؟ ما شاء الله ! ! ما شاء الله ! ! ثم قال : علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ولم يدعوا الناس إليها، ألم يسعك يا بن أبي دؤاد ما وسع رسول الله وخلفاؤه الراشدون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ثم دعا بالحداد وقال له : اذهب وفك قيد هذا الشيخ الشامي. وأعطاه أربعمائة دينار، وقال له : انصرف راشدا إلى أهلك. وذكر الخطيب في بعض روايات هذه القصة بأسانيد ليست قائمة أنه بعد ذلك لم يمتحن أحدا. بل روى – أيضا – عنه أن الواثق رجع عنها في أخريات حياته.
وعلى كل حال فالقرآن كلام الله وصفته الأزلية، ليس بمخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو صفته الأزلية لم يتجرد عن كونه متكلما يوما ما، وهو في كل يوم يتكلم بما شاء، كيف شاء، على الوجه اللائق بكماله وجلاله ( جل وعلا ) من غير مشابهة للخلق، ومن غير تعطيل له من صفته ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله : فأجره حتى يسمع كلام الله .
ثم أبلغه مأمنه [ التوبة : آية ٦ ] أبلغه إياه : أوصله إليه. والمأمن هنا : اسم مكان – أيضا – كالمرصد، فالمأمن والمرصد كلاهما اسم مكان، فالمرصد مكان الرصد، والمأمن : مكان الأمن، أي : أبلغه مكان أمنه، وهو داره الذي جاء منها، وأهله الذي جاء من قبلهم. وهذا معنى قوله : أبلغه مأمنه ثم قال : ذلك المذكور من الأمر بإجازة المشرك المستجير حتى يسمع كلام الله ويتفهمه واقع بسبب أنهم قوم لا يعلمون لا يعلمون الوحي، ولا يفهمون عن الله، فإذا طلبوا أن يعلموا ويتعلموا ويسمعوا ما جاء عن الله فلا تمنعوهم من ذلك، فأمنوهم حتى يسمعوا ويتفهموا ويعرفوا الحق لعل الله يهديهم، وهذا معنى قوله : ذلك بأنهم قوم لا يعلمون .
١ انظر: القرطبي (٨/ ٧٧)..
٢ انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ٢٧٥..
٣ مضى عند تفسير الآية (٧١) من سورة البقرة..
٤ هذا الأثر ذكره القرطبي في التفسير عن سعيد بن جبير مرسلا (٨/ ٧٦) وأبو السعود (٤/ ٤٤)، والألوسي (١٠/ ٥٣)..
٥ يريد (رحمه الله) ما نشأ بسبب الاختلاف في هذه الصفة، وإلا فهي صفة كما من كل وجه..
٦ مضى عند تفسير الآية (١١٤) من سورة الأنعام..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير