ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

إذن فالتعامل مع المشركين إن لم يتوبوا ولم يصلوا ولم يُزكّوا، ولم يقدر عليهم المسلمون، ماذا يحدث ؟. إن على المسلمين أن يحاولوا تطبيق ما أمر به الله سبحانه وتعالى بشأنهم.
ولكن ماذا إن استجار واحد من المشركين بالمسلمين ؟
وهنا ينزل قول الحق تبارك وتعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ ( ٦ ) :
وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى المهلة التي هي الأشهر الأربعة أو مدة العهد إذا كان هناك عهد. وبعد أن بين أن الكفار تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقرنوا الإيمان بالعمل ؛ فالحق سبحانه وتعالى يغفر لهم ما قد سلف منهم، وبين الله سبحانه وتعالى عظمة الإسلام والرحمة التي نزل بها هذا الدين ؛ فيخبرنا أن الذين لم يتوبوا من الكفار وظلوا على حالهم ولم نقدر عليهم بأي عقوبة من العقوبات التي جاءت، ثم جاء أحدهم مستجيرا بالمؤمنين فماذا يكون سلوكنا معه ؟.
جاء الحكم من الله تعالى بأنه مادام قد استجار بك فأجره، وإذا أجرته أسمعه كلام الله تعالى وحاول أن تهديه إلى الإيمان وإلى الطريق المستقيم ؛ فإن آمن واقتنع وأعلن إسلامه أصبح واحدا من المسلمين، وإن لم يسمع كلام الله ولم يقتنع فلا تقتله ؛ ولكن أبلغه مأمنه، أي اسأله من أين جاء ؟ فإذا قال لك اسم القبيلة التي ينتمي إليها أو حدد المكان الذي جاء منه فتأكد أنه سوف يكون آمنا حتى يبلغ المكان الذي يجد فيه الأمان. وهذه هي المرحلة الأخيرة من علاقة الإيمان بالكفر، وهي مرحلة الإجازة والتأمين للمستجيرين بالمؤمنين.
فالله سبحانه وتعالى تفضل على خلقه في الأرض فأرسل إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعد أن مرت فترة طويلة على إرسال من سبقوه من الرسل. وكان الناس قد نسوا منهج السماء، بل وحرَّف أهل الكتاب ما نزل إليهم من تعاليم.
وكان لابد أن تتدخل السماء بإرسال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قد جعل في الإيمان مناعات متعددة، توجد أولا في النفس، فحين تستشرف النفس إلى معصية، فالضمير الإيماني يردعها عن تلك المعصية ويتوب الإنسان ويرجع إلى الله تعالى من ذات نفسه وبضميره الإيماني وتلك هي النفس اللوامة. ومعنى وجود اللوم في النفس هو أن الإيمان مازال موجودا فيها، وهذا الإيمان هو الذي يكبح الشهوة ويمنع النفس من الركون إلى المعصية ويرد صاحبه إلى الطريق الصحيح والمنهج السوي.
وهب أن نفسا ولعت بمخالفة المنهج ولم تعد نفسا لوامة، وتظل ترتكب المعاصي حتى تعتاد على المعصية، ويموت فيها الوازع الإيماني، فتجده قد عشقت –والعياذ بالله- مخالفة المنهج، بل أصبحت نفسا أمارة بالسوء، وهنا ينقل الله المناعة الإيمانية من النفس إلى المحيطين بها من عباد الله، فتجد المحيطين بها من عباد الله، فتجد المحيطين بمرتكب المعاصي يردعونه عن المعصية، ويقفون منه مواقف الإيمان من الردع والمقاطعة الجفوة حتى يفيء إلى ربه ويعود إلى رشده. وتلك مرحلة ثانية من مراحل الإيمان. أما إذا فسد المجتمع كله ولم تعد هناك طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا بد أن تتدخل السماء برسالة جديدة وبرسول جديد مؤيد بمعجزة من السماء ليوقظ الناس من هذا السباب الذي شمل الأفراد والمجتمعات.
وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وواجه هذا المجتمع الذي انتشر فيه الكفر أفرادا وجماعات كان لابد أن يحدث تصادم بين الإيمان ومجتمع الكفر ؛ ذلك أن العداوة الشرسة واجهت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه المواجهة للرسول إنما جاءت من المنتفعين بالفساد في الأرض. والمنتفعون بالفساد هم السادة الذين استفادوا من ضياع الحق وانتشار الباطل فأخذوا حقوق غيرهم واستعبدوا الناس، واستأثروا هم بالمنافع وبما فيه الخير لهم ومنعوا ذلك عن باقي عباد الله.
والمنتفعون بالفساد يكرهون أي مصلح جاء ليعدل ميزان حركة الحياة في الكون. فلا بد أن يقفوا في وجهه، ليدافعوا عن سيادتهم وعن منافعهم وأموالهم التي حصلوا عليها بالباطل والظلم، ومن استعبادهم للناس. وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت مكونة من قبائل متعددة، وكانت لكل قبيلة قانونها الذي يضعه شيخها ليستأثر لنفسه بكل شيء.
ومعنى ذلك أنه لا توجد رابطة تربط بين هذه القبائل، ولا يوجد قانون عام يحكمها ؛ وكل قبيلة لها عزوتها ولها شوكتها ولها حروبها. وكل فرد في قبيلة لابد أن يكون مقاتلا يحمل سلاحه مستعدا للحرب في أي وقت، لأنه مهدد في أي لحظة أن تغير عليه قبيلة أخرى، إلا قبيلة واحدة هي قريش. فقد أخذت السيادة ولا يعتدي عليها أحد ولا تهاجَم قوافلها، ولا تستطيع قبيلة في الشمال أو في الجنوب أن تهاجم تجارتها ؛ لأن هذه القبائل كلها ستأتي في يوم من الأيام قاصدة حج بيت الله الحرام في مكة. وخلال الحج تكون هذه القبائل في حاجة إلى الأمان من قريش ؛ ولذلك حرصت كل قبائل العرب أن تحافظ على علاقتها مع قريش، لأن السيادة على بيت الله الحرام التي جعلها الله لقريش هي الضمان. وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحماية البيت الحرام من أي عدوان، حتى عندما جاء أبرهة بأفياله ليهدم الكعبة ؛ جعله الله هو وجيشه كعصف مأكول مصداقا لقوله الحق تبارك وتعالى :
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ( ١ ) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( ٢ ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( ٣ ) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( ٤ ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( ٥ ) ( الفيل ).
فإذا قرأت السورة التي بعد سورة الفيل مباشرة تجد أنها :
لإِيلافِ قُرَيْشٍ ( ١ ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ( ٢ ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ( ٣ ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( ٤ ) ( قريش ).
فكأن حفظ الكعبة من الهدم كان حفظا من الله سبحانه وتعالى لسيادة قريش. ولذلك كان من الواجب أن تستقبل قريش رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان والشكر وفهم هذه النعمة وتقديرها، بدلا من أن تقف من الإسلام هذا الموقف المتعنت وتحاربه هذه الحرب الرهيبة، ولكن بدلا من ذلك فقد حدث العكس، وأحست قريش كذبا بأن الإسلام جاء ليهدد سيادتها فقامت تحاربه.
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تكن النداءات بالإسلام بعيدا عن هذه السيادة ؟ لأن الحق قد أراد أن تكون صيحة الحق في جبروت الباطل وأن يواجه الإسلام في أول أيامه جبروت سادة الجزيرة العربية كلهم جميعا حتى يمحص الله قلوب المسلمين الأوائل. فهم من يحملون من بعد ذلك دعوة الإسلام في العالم ؛ فلا يعتنق الإسلام منافق أو ضعيف الإيمان، بل يعتنقه أولئك الذين في قلوبهم إيمان حقيقي، ويتحملون كل مظاهر الاضطهاد والتعذيب بقوة إيمانهم.
لقد شاء الحق تبارك وتعالى أن يبدأ الإسلام في مكة ولم يجعل الله له النصر من مكة، وشاء سبحانه وتعالى أن يجعل نصر الإسلام من المدينة ؛ لأن قريشا لو انتصرت دعوة واحد منها فهم سيحاولون احتواءه ليسودوا به الدنيا، وحينئذ سيقال : هم قوم قد تعصبوا لواحد منهم لتظل لهم السيادة، ويكون اعتناق الإسلام نفاقا وليس إيمانا حقيقيا. ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى انتصار الإسلام من المدينة ليعلم الناس جميعا ؛ أن العصبية لمحمد صلى الله عليه وسلم لم تخلق الإيمان برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد عليه الصلاة والسلام.
ولذلك شاء الحق سبحانه وتعالى أن تكون هناك مواجهة شرسة بين حملة الإيمان وبين سادة الكفر. وهذه المواجهة أخذت عدة مراحل :
المرحلة الأولى كانت الدعوة للإيمان، والدعوة إلى المحبة، والدعوة إلى المساواة. وعدم مقابلة التعذيب والقتل بالعنف. وهذه البداية لم تعجب سادة قريش بل جعلتهم يستهينون بالمؤمنين ويمعنون في إيذائهم وتعذيبهم ويعتقدون أنهم سيقضون عليهم، فلما وجدوا الدعوة تقوى رغم كل ما تواجهه من مراحل التعذيب والبطش ؛ ازدادوا تنكيلا بالمؤمنين، فهاجر بعض من المؤمنين إلى الحبشة، وأصبحوا يبحثون عمن يحميهم ويستجيرون به ؛ وشاء الحق تبارك وتعالى ذلك حتى لا يدخل الإسلام إلا من أُشرب قلبه حب الإسلام واستهان بكل الصعاب والاضطهاد والقتل والتشريد ؛ وهؤلاء هم الذين سيصبحون مأمونين على الدعوة. وبعد ذلك ظل الكفر على كفره، وظل الإيمان يأخذ إليه بهدوء بعض الأفراد، وحاول الكفار أن يستميلوا المؤمنين بالحيلة بعد أن فشلت القوة والبطش والإرهاب ؛ فقالوا : نعبد إلهكم فترة وتعبدون إلهنا فترة، فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة فيها ما يسمى بالعرف الحديث " قطع العلاقات "، فقال الحق عز وجل : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ( ١ ) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( ٢ ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ( ٣ ) و لا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ( ٤ ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ( ٥ ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( ٦ ) ( الكافرون )، وكان هذا إعلانا بمرحلة ثانية تتسم بأنه لا مهادنة ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان ؛ لأنه لو قابل المؤمنون عبادتهم لآلهة- الكفار ؛ فهذا اعتراف منهم بأن آلهتهم حق، ولو قبلوا أن يعبدوا الإله الواحد ويشركوا به آلهة أخرى لكان ذلك تفريطا، ولا يمكن أن يحدث ذلك. وكان النهي هنا في هذه الآية الكريمة يشمل الحاضر والمستقبل. وهذا ما يسمى في السياسة الدولية باسم قطع العلاقات، بل إن قطع العلاقات الدولية إنما يكون بسبب طارئ، أما الخلاف بين المسلمين الأوائل وأهل الشرك فلم يكن صراعا بين فكر بشر وفكر آخرين، ولكن المسألة كانت صراعات بين منهج تريده السماء لأهل الأرض، وبين المنتفعين بالفساد في الأرض ؛ لذلك كان لابد أن يكون القطع نهائيا، فلا لين ولا مهادنة ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان، وهكذا فشلت حيلة الكفار في تمييع وتضييع قضية الدين، وضاع مكرهم، وبقي الوجود الإيماني قويا متحدا في مواجهة جبروت الكفار بعد أن كان مهددا.
ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة، مرحلة اعتراف الكفر بقوة الإيمان، فقد كان الكفار يواجهون المؤمنين بالقهر والتعذيب، والمؤمنون يواجهون هذا بالصبر والاحتمال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وحدثت المواجهة المسلحة بين الإيمان والكفر في غزوة بدر، وانتصر المؤمنون وأصبح لهم كيان يحميهم، فلم يعودوا هم القلة الضعيفة المستذلة والمستكينة، بل أصبحت لهم قوة ولهم قدرة، وإن لم تصبح لهم سيطرة. ولكنهم أصبحوا قوة قادرة على مواجهة الكفار أو قوة مساوية لهم ؛ تستطيع أن تصد الاعتداءات وتواجه الضربة بالضربة.
وحين أصبح للإيمان هذه القوة والقدرة على حماية أنفسهم والمساواة والكيان تجاه الكفار، كانت هذه بداية المرحلة التي أعطت الإسلام تفرغا لنشر الدعوة خارج محيط مكة، وأمن المسلمون وهم ينشرون دعوتهم من هجوم الكفار وتنكيلهم بهم بعد صلح الحد

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير