وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ ( ١ ) مَأْمَنَهُ ( ٢ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( ٦ ) ( ٦ ).
( ١ ) أبلغه : أوصله، أو يسر له الوصول.
( ٢ ) مأمنه : المكان الذي يكون فيه أمنا على حياته.
تعليق على الآية :
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ.............................. الخ
وما روي في صددها ومدى ما فيها من تلقين ودلالات
عبارة الآية واضحة. وفيها أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا ما أراد أحد من المشركين أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلب منه الجوار والحماية فعليه أن يمنحهما له حتى يتسنى له سماع كلام الله تعالى، وعليه بعد ذلك أن ييسر له البلوغ إلى المكان الذي يكون فيه آمنا على حياته. وتعليل لذلك بأن المشركين جاهلون ومن الحق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتيح لهم فرصة العلم وسماع كلام الله وتدبره.
وقد روى الزمخشري عن سعيد بن جبير أن رجلا جاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين نادى يوم الحج الأكبر فقال : إذا أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل ؟ قال : لا لأن الله تعالى يقول : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ... الخ وهذه الرواية بهذه الصيغة لا تكون سبب نزول الآية. والآية بعد معطوفة على ما قبلها وجزء من السياق كما هو ظاهر ؛ حيث يتبادر لنا أن حكمة التنزيل أوحت بها في جملة السياق على سبيل الاستدراك والاستثناء في صدد حالة محتملة. وهذا لا يمنع احتمال نزولها بسبب حالة وقعت أو سؤال ورد، ثم وضعت في السياق للتناسب. والله أعلم.
ونرى في الآية قرينة أخرى على صحة ما ذكرناه قبل من أن الآية السابقة لها ليست في صدد قتل وقتال كل مشرك إطلاقا إلى أن يكف عن الشرك ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. وعلى ما قررناه في مناسبات عديدة قريبة وسابقة من عدم إكراه أي مشرك غير عدو وغير محارب على الإسلام. ونرى فيها تلقينا مستمر المدى للمسلمين وأولياء أمورهم في كل وقت بوجوب منح الفرص لغيرهم، ولو كانوا أعداء محاربين ؛ ليسمعوا منهم كلام الله ويستوعبوا منهم مبادئ وأهداف الإسلام، وبوجوب قبول التجاء غيرهم إليهم وحمايتهم إذا ما كان قصدهم التعرف على تلك المبادئ والأهداف، وضمان عودتهم إلى بلادهم آمنين.
ولقد أورد المفسر القاسمي في سياق الآية حديثا رواه البخاري والنسائي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافرا ) وحديثا آخر رواه الإمام أحمد والشيخان عن أنس قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ).
وفي الحديثين تلقين متساوق مع التلقين القرآني كما هو واضح من تشديد ضد من ينحرف عن هذا التلقين. ولقد روى القاسمي عن الحاكم تنبيها وجيها في هذا الصدد. وهو أن الإجارة والتأمين منوطان بالتيقن من حسن القصد. وإن جملة : حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ مما يدعم ذلك. وهذا يعني عدم الإجابة لطلب الجواز إذا غلب الظن بكبر الطالب وخداعه وسوء نيته. والله أعلم.
ولقد روى الطبري وغيره عن الضحاك والسدي أن الآية منسوخة بجملة : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ في الآية السابقة لها. وعن ابن زيد أنها محكمة غير منسوخة، وليس هناك أثر نبوي. وورود الآية بعد الآية التي تأمر بقتل المشركين إلى أن يتوبوا قد يكون قرينة قوية على وجاهة القول الثاني ؛ حيث يمكن أن تكون الآية قد جاءت للاستدراك. والإجابة على تساؤل ما من بعض الكفار، وروحها يدعم ذلك أيضا ؛ لأن القتال والقتل لم يكن غاية، وإنما هو مقابلة للعدوان وعقوبة على النكث. والدعوة إلى الإسلام تظل قائمة لكل الناس في كل وقت. وهدف الآية إعطاء فرصة لكافر ما ولكافر عدو بخاصة ؛ ليسمع كلام الله لعله يستجيب ويؤمن. والآية السابقة للآية تأمر بالكف عن قتال المشركين الناكثين الأعداء إذا ما تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. والاستجابة للاستجارة وسيلة إلى ذلك. والله أعلم.
استطراد إلى مدى جملة :
كلام الله ومسألة أزلية القرآن وحدوثه
ونرى أن نستطرد هنا بمناسبة جملة : كلام الله في الآية إلى مدى هذه الجملة، وما تفرع عنها من خلاف مذهبي فنقول : إن هذه الجملة وردت في آيات أخرى مثل آية البقرة ( ٧٥ ) وآية سورة الفتح ( ١٥ ) غير أنها هنا عنت القرآن أكثر من هذه الآيات على الأرجح وعلى ما عليه جمهور المفسرين. ووصف القرآن بأنه كلام الله أدى إلى ذلك الخلاف حيث ذهب بعض علماء الكلام إلى أن كلام الله متصل بذات الله وذات الله أزلية فيكون كلام الله أزليا، وما دام القرآن هو كلام الله فيكون بدوره أزليا. وحيث ذهب فريق آخر إلى كون القرآن ليس أزليا، وإنما هو حادث. ولقد كان من جراء هذا الخلاف فتنة شديدة في زمن المأمون ثامن الخلفاء العباسيين وامتدت نحو عشرين عاما. واضطهد وعذب فيها علماء كثيرون على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وكان أحيانا يشتبك أنصار هؤلاء وهؤلاء في نزاع دام تزهق فيه مئات الأرواح. ولقد كان المعتزلة الذين يسمون أهل العدل والتوحيد من القائلين بالقول الثاني. وكان لهم مركز الوجاهة والنفوذ عند المأمون وجعلوه يقنع بقولهم وأرادوه على حمل الإمام أحمد بن حنبل ومن يقول بقوله أي القول الأول أن يرجعوا عن قولهم بالقول الثاني فأبوا.
وهذه المسألة متفرعة عبر مسألة أعم. وهي الخلاف على صفات الله تعالى بين أهل السنة والجماعة الذين كان الإمام أحمد من رؤوسهم وبين المعتزلة.
فهؤلاء قالوا : إن صفات الله هي ذات الله فهو عالم بذاته متكلم بذاته الخ أي بدون علم وقدرة وكلام زائد عن ذاته أو غير ذاته، على اعتبار أن الذهاب إلى كون صفات الله القديمة بقدمه هي غير ذاته يعني تعددا لله القديم الذي يستحيل عليه التعدد. في حين قال أهل السنة والجماعة : إن لصفات الله تعالى معنى زائدا عن ذاته فهو عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام وحي بحياة الخ. واحترزوا من أن يكون هذا الكلام مؤديا إلى التعدد ؛ لأنهم مثل المعتزلة يعتقدون باستحالة التعدد بحق الله تعالى فقالوا : إن الله عالم بعلم غير منفك عن ذاته وقادر بقدرة غير منفكة عن ذاته ومتكلم بكلام غير منفك عن ذاته.. ثم انجر الخلاف إلى صفة كلام الله وماهية القرآن باعتباره كلام الله فقال فريق من أهل السنة والجماعة : إن الله تكلم بكلام أزلي قديم زائد عن ذاته وغير منفك عنها، وإن القرآن معنى قائم بذات الله مع تقييدهم أنهم لا يعنون بذلك الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة، ومثلوا على ذلك بالفرق بين ما يدور في خلد الإنسان من كلام، دون أن ينطق به فهو شامل في أي وقت لجميع الكلام الذي يدور في الخلد. أما الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة من القرآن فإنها ليست من تلك الصفة القديمة، وإنما هي من الحوادث ؛ لأنها تابعة لترتيب يتقدم فيه حرف على حرف نطقا وكتابة وسمعا وهذا من سمات الأمور الحادثة. وهناك من هذا الفريق من قال : إن حروف القرآن المكتوبة المقروءة وأصواتها المسموعة غير منفكة عن كلام الله الأزلي القديم، وإنها مثله قديمة أزلية أيضا ليست حادثة ولا مخلوقة. وهناك من هذا الفريق من قال : إن جميع ما في المصحف هو من صفة الله القديمة حتى الورق والمداد وجلدة الغلاف... أما المعتزلة والشيعة الإمامية الذين يذهبون إلى أكثر المذاهب الكلامية التي يذهب إليها المعتزلة فقالوا : إن الله تكلم بذاته بدون كلام زائد عن هذه الذات، وأنه يخلق الحروف والأصوات في الأعراض فتقرأ وتسمع، وأن القرآن باعتبار أنه متصف بما هو صفة المخلوق وسمات الحدوث من تأليف وتنظيم وإنزال وتنزيل وكتابة وسماع وعروبة لسان وحفظ وناسخ ومنسوخ إلخ هو مخلوق لا يصح أن يكون قديما أزليا. ومما قالوه : إن القرآن اسم لما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترا، وهذا يستلزم كونه مكتوبا في المصاحف مقروءا بالألسن مسموعا بالآذان. وكل ذلك من سمات الحدوث بالضرورة. ويرد عليهم جمهور أهل السنة بأنه كلام الله مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا غير حال فيها، بل هو معنى قديم قائم بذات الله يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه، ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف ويكتب بالقلم. وأن المراد بأن القرآن غير مخلوق هو حقيقته الموجودة في الخارج.
هذه خلاصة وجيزة جدا لرأي علماء المذاهب الكلامية. وواضح أن الجماعات المختلفة يعترفون بكمال صفات الله، وأن اختلافهم هو حول آثار هذه الصفات وتخيلها وتفهمها. وأن شأنهم في هذا شأنهم في الخلافات الكلامية الأخرى المتصلة بالله تعالى وقدرته وكنهه وما ينسبه القرآن إليه مون أعضاء وأفعال.
منهم المعظم لله ومنهم المنزه له، وأنهم متفقون على أن القرآن منزل من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ونعتقد أن ثوران هذه المسألة الخلافية وما يترتب عليها من فتنة ومحنة في أوائل القرن الثالث الهجري ذو صلة بالأحداث السياسية والنحلية والطائفية والعنصرية التي حدثت في القرن الإسلامي الأول. ومن مظاهرها مسألة القدر وفرق المسلمين فيه على ما شرحناه في سياق سورة القمر، مع احتمال أن يكون لتسرب الأفكار والكتب اليونانية وغير اليونانية أثر فيها. وأنها ضخمت أكثر مما تتحمل طبيعتها. وقد يصح أن يقال مع ذلك : إن للقرآن صلة وثقى بأحداث السيرة النبوية وظروف البيئة النبوية وشؤون البشر والحياة على إطلاقها وإن جل سوره وفصوله وآياته أو كلها قد نزلت حسب المناسبات والأحداث والمقتضيات من هذه السيرة والظروف والشؤون. وإنه استهدف صلاح البشر وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وكل هذا من الأمور الحادثة المتجددة المتبدلة المتطورة، ويجعل القول الثاني أكثر ورودا ووجاهة. ولا سيما إن القول الأول يؤدي إلى حرج القول أنه ما دام كلام الله صفة غير منفكة عن ذات الله وما دام القرآن هو كلام الله فيكون القرآن هو ذات الله سبحانه وتعالى..
ومما يجعل القول الثاني أكثر ورودا ووجاهة أن ألفاظ القرآن ( مفرداتها وتركيباتها ) ليست أمرا قاصرا على القرآن. وإنما هي مما يستعمله الناطقون باللغة العربية للتعبير عن أفكارهم نطقا وكتابة. وكان ذلك قبل نزول القرآن واستمر بعده وإلى ما شاء الله. وهي ألفاظ بشرية للتعبير عن أمور وأفكار بشرية حادثة. والله ليس كمثله شيء. فله سمع وبصر ولكن ذلك غير مماثل لأي شيء كما جاء في آية سورة الشورى التي أوردناها والتي هي ضابط قرآني هام في مثل هذه المسائل. ومن ذلك فهو متكلم، ولكن كلامه غير مماثل لأي شيء.
وهناك أمر آخر مهم يقوي ذلك أيضا وهو أن الله عز وجل لم يكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن مباشرة. ففي سورة الشعراء هذه الآيات : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( ١٩٣ ) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ( ١٩ ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ( ١٩٥ ) . وفي سورة النحل هذه
التفسير الحديث
دروزة