قوله : أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ الآية.
والمقصود من هذه الآية : شرح أحوال المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك.
قرأ الجمهور " يَعْلمُوا " بياء الغيبة، رَدّاً على المنافقين، وقرأ الحسنُ، والأعرجُ(١) " تَعْلَمُوا " بتاء الخطاب، فقيل : هو التفاتٌ من الغيبة إلى الخطابِ إن كان المرادُ المنافقين.
وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأتى بصيغةِ الجمع تعظيماً ؛ كقوله :[ الطويل ]
فإنْ شِئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ***. . . (٢)
وقيل : الخطابُ للمؤمنين. وبهذه التقادير الثلاثة يختلف معنى الاستفهام، فعلى الأول يكون الاستفهام للتقريع والتوبيخ، كقول الإنسان لمن حاول تعليمه مدة وبالغ في التعليم فلم يتعلم، يقال له ألمْ تتعلَّم ؟ وإنما حسن ذلك ؛ لأنَّهُ طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وكثر تحذيره من معصية الله، والترغيب في طاعة الله.
وعلى الثاني يكون للتعجب من حالهم، وعلى الثالث يكون للتقرير. والعلم هنا : يحتمل أن يكون على بابه، فتسدَّ " أن " مسدَّ مفعولين عند سيبويه(٣)، ومسدَّ أحدهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش.
وأن يكون بمعنى العرفان، فتسدَّ " أنَّ " مسدَّ مفعوله. و " مَنْ " شرطيَّة، و " فأنَّ لهُ نار " جوابها. وفتحت " أنَّ " بعد الفاءِ، لما تقدَّم في الأنعام. والجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعِ خبر " أنَّ " الأولى وهذا تخريجٌ واضحٌ. وقد عدل عن هذا التخريج جماعة إلى وجوهٍ أخر، فقال الزمخشريُّ " ويجوزُ أن يكون " فأنَّ لَهُ " معطوفاً " أنَّه " على أنَّ جواب " مَنْ " محذوفٌ، تقديره : ألم يعلموا أنَّه من يُحادد الله ورسوله يهلكْ، فأنَّ لهُ نَار جَهَنَّمَ " وقال الجرمي والمبرد :" أنَّ " الثانية مكررةٌ للتَّوكيد، كأن التقدير : فلهُ نارُ جهنم، وكُرِّرت " أنَّ " توكيداً، وشبَّهه أبو البقاء بقوله تعالى : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء [ النحل : ١١٩ ] ثم قال : إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا [ النحل : ١١٩ ]، قال : والفاءُ على هذا جوابُ الشرط. وردَّ أبو حيان على الزمخشري قوله : بأنَّهم نصُّوا على أنَّه إذا حذف جوابُ الشَّرطِ، لزمَ أن يكون فعلُ الشرط ماضياً، أو مضارعاً مقروناً ب " لَمْ "، والجوابُ على قوله محذوفٌ وفعل الشَّرطِ مضارعٌ غير مقترنٍ ب " لَمْ " وأيضاً فإنَّا نجد الكلامَ تامّاً بدون هذا الذي قدَّره.
ونُقل عن سيبويه(٤) أنَّه قال : الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وهذا لا يصحُّ عن سيبويه، فإنَّه ضعيفٌ، أو ممتنع، وقد ضعفه أبو البقاءِ بوجهين :
أحدهما : أنَّ الفاء تمانعُ من ذلك والحكمُ بزيادتها ضعيفٌ.
والثاني : أنَّ جعلها بدلاً يوجب سقوط جواب " مَنْ " من الكلام. وقال ابنُ عطية " وهذا يُعترضُ بأنَّ الشَّيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأتِ خبرها بعد، إذ لم يأتِ جوابُ الشَّرط، وتلك الجملةُ هي الخبرُ، وأيضاً فإنَّ الفاء تُمانعُ البدل، فهي معنى آخر غير البدل فيقلقُ البدل ". وقال بعضهم : فتحت على تقدير اللام، أي : فلأنَّ لهُ نار جهنم. وهذه كلُّها تكلُّفاتٌ، لا يحتاج إليها.
فالأولى ما تقدم ذكره، وهو أن يكون " أنَّ لهُ نارَ جهنَّمَ " في محل رفع بالابتداء والخبر محذوفٌ، وينبغي أن يقدِّرَهُ متقدماً عليها، كما فعل الزمخشريُّ، وغيرُه، أي : فحقٌّ أنَّ لهُ نار جهنَّم. وقدَّرهُ غيره متأخراً، أي : فحق أنَّ له نار جهنَّمَ واجبٌ، كذا قدَّره الأخفش وردُّوه عليه بأنَّها لا يبتدأ بها.
وهذا لا يلزمه، فإنَّه يجيز الابتداء ب " أنَّ " المفتوحةِ من غير تقديم خبره. وغيره لا يجيز الابتداء بها إلاَّ بشرطِ تقدُّم " أمَّا "، نحو : أمَّا أنك ذاهبٌ فعندي، أو بشرط تقدُّم الخبر، نحو : عندي أنَّك منطلق. وقيل :" فأنَّ لهُ " خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : فالواجبُ أنَّ لهُ، وهذه الجملةُ التي بعد الفاء مع الفاءِ في محلِّ جزم، جواباً للشَّرط. وقرأ(٥) أبو عمرو فيما رواه أبو عبيدة، والحسن، وابن أبي عبلة :" فإنَّ " بالكسر وهي قراءةٌ حسنةٌ قوية، تقدَّم أنَّهُ قرأ بها بعضُ السبعة في الأنعام، وتقدَّم هناك توجيهها.
والمحادّة : المخالفةُ، والمعاندةُ، ومجاوزةُ الحدِّ، والمعاداة. قيل : مشتقةٌ من الحد وهو حدُّ السِّلاح الذي يحاربُ به من الحديد. وقيل : من الحد الذي هو الجهةُ كأنه في حدِّ غير حدِّ صاحبه كقولهم : شاقَّه، أي : كان في شقٍّ غير شقِّ صاحبه وعاداه، أي : كان في عدوة غير عدوته. قال ابن عباس : معناه : يخالف الله(٦) وقيل : يحارب الله، وقيل : يعاند الله، وقيل : يعادي الله.
واختار بعضهم قراءة الكسر، بأنَّها لا تحوج إلى إضمار، ولم يُرْوَ قوله :[ الوافر ]
فَمَنْ يَكُ سَائِلاً عَنِّي فإنِّي *** وجِرْوةَ لا تُعارُ ولا تُبَاعْ(٧)
إلاَّ بالكسرِ.
وهذا غيرُ لازمٍ، فإنَّه جاء على أحد الجائزين، و " خَالِداً " نصبٌ على الحال.
قال الزجاج :" ويجوز كسر " أنّ " على الاستئناف بعد الفاءِ ". وجهنم : من أسماء النار وحكى أهل اللغة عن العربِ : أنَّ البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام، فيجوزُ أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ، ومعنى بعد قعرها أنَّه لا آخر لعذابها، وتقدم معنى الخلود، والخزي : قد يكون بمعنى النَّدم، وبمعنى الاستحياء، والمراد به ههنا : النَّدم، لقوله : وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب [ يونس : ٥٤ ].
٢ نظر: الكشاف ٢/٢٨٥، المحرر الوجيز ٣/٥٤، البحر المحيط ٥/٦٦، الدر المصون ٣/٤٧٩.
تقدم..
٣ ينظر: الكتاب ١/٦٤..
٤ ينظر: الكتاب ١/٤٦٧..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٣/٥٤، البحر المحيط ٥/٦٦، الدر المصون ٣/٤٧٩..
٦ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٦/٩٦)..
٧ نسب البيت لشداد العبسي والد لعنترة وقيل: لعمه ورواية العجز:
وجروة لا ترود ولا تعار ***...
ينظر: ديوان عنترة ص٣٠٩ والكتاب ١/٣٠٢، والصاحبي في فقه اللغة ص٢١٦، والأغاني ١٣٩١٧، ولسان العرب (جرا)، وقد نسب أيضا لزيد الخيل ١٠٤ وينظر: الدر المصون ٣/٤٨٠، وشرح أبيات سيبويه ١/٣٥٧.
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٠٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٤٥٥) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٣٠٧)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود