ألم يعلمون أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خلدا فيها ذلك الخزي العظيم ( ٦٣ ) [ التوبة : آية ٦٣ ].
قدمنا في هذه الدروس مرارا (١) أن كل فعل مضارع مجزوم ب ( لم ) إذا تقدمتها همزة استفهام بأن قيل فيه ( ألم ) كل فعل مضارع مسبوق ب ( ألم ) فيه لعلماء التفسير وجهان في جميع القرآن :
أحدهما : أن تصير مضارعته ماضوية، ويصير نفيه إثباتا، فأصله مضارع منفي ب ( لم ) فتصير حقيقة معناه أنه ماض مثبت فتنقلب المضارعة ماضوية، وينقلب النفي إثباتا، وهذا مطرد كقوله : ألم يعلموا معناه : علموا أن من حاد الله ألم نجعل له عينين ( ٨ ) [ البلد : آية ٨ ] جعلنا له عينين ألم نشرح لك صدرك ( ١ ) [ الشرح : آية ١ ] شرحنا لك صدرك. فإن قيل : بأي وجه انقلبت المضارعة ماضوية، وانقلب النفي إثباتا، مع أن النفي والإثبات نقيضان ؟ فالجواب : أن انقلاب المضارعة ماضوية أمر واضح لا إشكال فيه ؛ لأن ( لم ) حرف قلب، تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى الماضي، وهذا أمر معروف لا نزاع فيه ولا إشكال، أما انقلاب النفي إثباتا فوجهه أن همزة الاستفهام التي قبل حرف ( لم ) هي استفهام إنكار، والإنكار مضمن معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن في الهمزة على النفي الصريح في ( لم ) فينفيه، ونفي النفي إثبات. هذا وج من قال هذا القول.
القول الثاني : أن كل فعل مضارع مسبوق ب ( ألم ) في جميع القرآن هو استفهام تقرير، والمراد باستفهام التقرير هو حمل المخاطب على أن يقر فيقول : بلى، وليس المراد منه طلب فهم ألبتة. فالمراد بهذا على هذا القول أن يقولوا : بلى نعلم أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم أنه من يحادد الله إنما فك الإدغام هاهنا أن الفعل مجزوم، ومعلوم أن المضعف إذا جزم أو صار أمرا جاز فيه الإدغام وفك الإدغام كما هو معروف في محله. ومعنى قوله : من يحادد الله أي : يشاق الله ويخالفه ويعاصيه وأصل المحادة : من الحد، لأن المحاد يكون في الحد الذي ليس فيه من حاده، تقول : تقول زيد محاد لعمرو. أي : مشاق له ومعاد له ومعاند ؛ لأنه في الحد الذي ليس فيه، فهذا في الحد الذي ليس فيه هذا وذلك بعكس ذلك أيضا. وهذا معنى معروف في كلام العرب، وأعظم محاداة لله هي إيذاء نبيه صلى الله عليه وسلم والتجرؤ على ذلك بالأيمان الباطلة الكاذبة.
فأن له نار جهنم إذا كانت ( أن ) مثلا في جزاء الشرط بعد فاء جاز فيها الفتح كما هنا وجاز فيها الخفض أيضا، وهما لغتان عربيتان. وقراءة الجمهور منهم السبعة هنا : فأن له بفتح الهمزة، ولو كسرت لجاز لغة لا قراءة ؛ لأن القراءة الصحيحة بعكسه فأن له نار جهنم أضاف النار إلى جهنم لأن جهنم طبقة من طبقاتها.
خلدا فيها في حال كونه خالدا فيها، وهي حال مقدرة كما هو معلوم.
ذلك الخزي العظيم أي : الخلود في النار – عياذا بالله – بسبب محاداة الله ومشاقته، والخزي العظيم أي : الذل الأكبر والهوان الأعظم. فالخزي في لغة العرب : غاية الذل والهوان والانسفال. وقد صرح الله ( جل وعلا ) بأن من حاد الله في غاية الذل والمهانة والسفالة كما قال تعالى : إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ( ٢٠ ) [ المجادلة : آية ٢٠ ] فقوله : أولئك في الأذلين يبين أن الخزي هنا – عياذا بالله – يتضمن أعلى الذل والحقار والصغار، وقال تعالى : إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم [ المجدلة : آية ٥ ] وذلك الكبت ملتزم لأصناف الذل والمهانة والله ( جل وعلا ) يقول : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [ آل عمران : آية ١٩٢ ] أي : أذللته وأهنته – والعياذ بالله أجارنا الله منها وإخواننا المسلمين – وهذا معنى قوله : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله الضمير ضمير الشأن، والجملة هي اسم ( أن )، و ( أن ) الثانية فيها للعلماء أوجه (٢)متعددة أصحها وأقربها للصواب أنها هي ( أن ) الأولى كررت لما طال الفصل بينهما، وتكرير ( أن ) إذا طال الفصل أسلوب عربي معروف كثير في كلام العرب، ومنه هذه الآية على الصحيح. فأن له نار جهنم .
خلدين فيها الخلود معناه : المكث الطويل والمراد بخلود أهل النار خلود لا انقطاع فيه ألبتة ؛ لأن الله يقول : كلما خبت زدنهم سعيرا [ الإسراء : آية ٩٧ ] فليس للنار خبوة نهائية ليس بعدها زيادة سعير، وقد قدمنا في هذه الدروس (٣) أن جماعة من العلماء زعموا أن النار تفنى، وأنهم يخرجون منها، واستدلوا بقوله : لبثين فيها أحقابا ( ٢٣ ) [ النبأ : آية ٢٣ ] وبقوله : إلا ما شاء ربك في سورة هود [ هود : آية ١٠٧ ] وبقوله : قال النار مثوكم خلدين فيها إلا ما شاء الله [ الأنعام : آية ١٢٨ ] وبينا مرارا أن التحقيق في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار أنه خلود أبدي لا انقطاع له أبدا لا يزول ولا يحول فهو باق بقاء سرمديا لا انقطاع له، أما خلود أهل الجنة فقد صرح الله به في آيات من كتابه كقوله : عطاء غير مجذوذ [ هود : آية ١٠٨ ] إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ ( ٥٤ ) [ ص : آية ٥٤ ] وقوله :( جل وعلا ) : ما عندكم ينفذ وما عند الله باق [ النحل : آية ٩٦ ] إلى غير ذلك من الآيات، وأما خلود أهل النار فجاءت فيه آيات كثيرة كقوله : لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [ فاطر : آية ٣٦ ] فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى [ طه : آية ٧٤ ] ولا يخفف عنهم من عذابها [ فاطر : آية ٣٦ ] كلما خبت زدنهم سعيرا [ الإسراء : آية ٩٧ ] والحاصل أن من قال من السلف : " إن النار تفنى ويبقى محلها لا أحد فيها " يجب حملها كما صرح به البغوي في تفسيره (٤) على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين ؛ لأن الله يخرجهم بعد أن تطرهم النار فيؤولون إلى الجنة فتبقى طبقتهم التي كانوا فيها خاوية، أما الكفار فهم باقون معذبون لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب ولا تفنى النار عنهم، وقد نفى الله فناءها بقوله : كلما خبت زدنهم سعيرا فمن يدعي أن لها خبوة نهائية ليس بعدها زيادة سعير رد عليه بهذه الآية الكريمة، وكذلك لا يخرجون منها ؛ لأن الله يقول : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها [ السجدة : آية ٢٠ ] كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها [ الحج : آية ٢٢ ] وما هم بخرجين من النار [ البقرة : آية ١٦٧ ] وما هم بخرجين منها [ المائدة : الآية ٣٧ ] وكذلك لا يموتون فيها كما قال : عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [ فاطر : آية ٣٦ ] إلى غير ذلك من الآيات كما أوضحناه في هذه الدروس.
(٥) [ أما آية النبأ، وهي قوله : لبثين فيها أحقابا ( ٢٣ ) [ النبأ : آية ٢٣ ] فقد بينتها غاية البيان آية سورة ص، وإيضاح ذلك أن المعنى : لبثين فيها أي : في النار أحقابا في حال كونهم في تلك الأحقاب لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ( ٢٤ ) إلا حميما وغساقا ( ٢٥ ) [ النبأ : الآيتان ٢٤، ٢٥ ] فإذا انقضت أحقاب ] الحميم والغساق، عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب لا نهاية لها ولا يعلمها إلا الله. وإنما قلنا : إن هذه الأحقاب، مختصة بأحقاب الحميم والغساق لأن الله بين ذلك وصرح به في سورة ( ص ) وخير ما يفسر به القرآن القرآن، أن الله يقول في ( ص ) : هذا وإن للطغين لشر مئاب ( ٥٥ ) جهنم يصلونها فبئس المهاد ( ٥٦ ) هذا فليذوقوه حميم وغساق ( ٥٧ ) وءاخر من شكله أزواج ( ٥٨ ) [ ص : الآيات ٥٥- ٥٨ ] فبين أن هنالك أصنافا أخر وأشكالا من أنواع العذاب غير الحميم والغساق. فبينت آية ( ص ) هذه آية النبأ، بيانا واضحا وخير ما يفسر به القرآن القرن.
وذكرنا (٦) أن بعض الملحدين يقول : أن الإنصاف والحكمة في أن تكون أيام المعصية في دار الدنيا وأيام الكفر مدة محدودة والجزاء في مدة لا تنقضي، فأين العدل والميزان، في عمل في مدة معينة مع جزاء في مدد لا تنقضي ولا تنتهي ؟ !
والجواب عن هذا : أن خبث الكافر عذب بسببه هو باق دائم لا يزول في جميع المدد، فكان العذاب دائما لا يزول، لأن سببه باق لا يزول، والدليل على أن خبث الكفار باق لا يزول أبدا فكان جزاؤه دائما لا يزول أبدا لأنهم لما رأوا النار وعاينوا الحقائق يوم القيامة وندموا على تكذيب الرسل فتمنوا الرد إلى الدنيا ليتوبوا فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئايت ربنا ونكون من المؤمنين [ الأنعام : آية ٢٧ ] قال الله فيهم : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [ الأنعام : آية ٢٨ ] فصرح ( جل وعلا ) بأنهم لو ردوا إلى الدنيا بعد معاينة النار والعذاب وبلايا القيامة لعادوا لما نهوا عنه.
وهو تصريح بأن خبثهم الطبيعي منطبع فيهم دائم لا يزول، فلذلك كان جزاؤه دائما لا يزول. والجزاء بحسب العمل ؛ ولذا قال تعالى : جزاء وفاقا ( ٢٦ ) [ النبأ : آية ٢٦ ] موافقا لأعمالهم فخبثهم لا يزول وجزاؤهم لا يزول، وقد قال تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [ الأنفال : آية ٢٣ ] ف ( خيرا ) نكرة في (٧) سياق الشرط وهي تعم، فعرفنا أن الله لم يعلم فيهم خيرا ما في وقت ما كائنا ما كان، ولما كان الخير منتف عنهم أبدا والشر ملازم لهم أبدا، كان جزاؤهم لازما أبدا. وهذا معنى قوله : فأن له نار جهنم خلدا فيها ذلك [ التوبة : آية ٦٣ ] – والعياذ بالله – الخزي العظيم الهوان والخزي الكبير. والعظيم صفة مشبهة من عظم الشيء يعظم فهو عظيم، وهو معنى معروف لا خفاء به.
٢ انظر: ابن جرير (١٤/ ٣٣٠)، القرطبي (٨/ ١٩٤)، الدر المصون (٦/ ٧٧)..
٣ مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام، والآية (٣٦) من سورة الأعراف..
٤ تفسير البغوي (٢/ ٤٠٣)..
٥ في هذا الموضع انقطع التسجيل، وتم استيفاء النقص من كلام الشيخ (رحمه الله) على هذه المسألة عند تفسير الآية (٣٦) من سورة الأعراف. وجعلت ذلك بين معقوفين..
٦ راجع ما سبق عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام..
٧ السابق..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير