ثم يقول الحق بعد ذلك : ألم يعلمون أنه من يحادد الله ورسله، فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم( ٦٣ ) .
إذا سمعت ألم فافهم أن هذا استنكار، كأن وسائل العلم قد تقدمت، وكان من الواجب أن تعلم. فإذا قلت لإنسان : ألم تعلم أنه حدث كذا وكذا ؟ فمعنى ذلك أنه قد أعلن عن هذا الحادث عدة مرات، ومع ذلك لم يعلمه. وهذا استنكار لتخلف هذا للإنسان عن العلم.
وهنا يستنكر الحق عدم علم المنافقين بقضية أعلنها الله مرات ومرات، وكان يجب أن يعلموها وألا تزول عن خواطرهم أبدا. وسبق أن قلنا : إن الاستفهام فيه نفي، والهمزة همزة استفهام. ولم تأت للنفي، وإذا دخلت همزة الاستفهام على النفي يكون استنكارا. فإذا قلت لإنسان : ألم أكرمك ؟ كأنك أكرمته عدة مرات وهو منكر لذلك.
وقول الحق سبحانه وتعالى ألم يعلموا هو إقامة للحجة على أن الحكم قد بلغهم، لأنه من الجائز أن يقولوا : إن الحكم لم يبلغنا، فيوضح لهم الحق : بل بلغكم الحكم وقد أعلمتكم به عدة مرات.
ألم يعلموا أنه من يحادد الله ما معنى يحادد ؟ نجد في الريف أن أهل الريف يضعون علامات من الحديد تفصل بين قطعة أرض وأخرى مجاورة لها، كعلامة على الشيء الذي يفصل بين حق وحق ويسمونها حدا، والذين يحادون الله هم الذين يجعلون الله في جانب وهم في جانب، وبذلك لا يعيشون في معية الله ولا ينعمون بنعمة الإيمان به سبحانه ولا يطبقون منهجه. بل يجعلون حدا بينهم وبين ما أمر الله.
وعندما أراد العلماء تفسير هذه الآية قالوا : يحادد تعني : يعادي، وقالوا : بمعنى يشاقق، أي : يجعل نفسه في شق والله ورسوله ودينه في شق آخر. أو : يحارب دين الله فيكون هو في وجهة ودين الله في وجهة أخرى(١). وهناك علاقة بين كلمة " بحرب " وكلمة " حد " فحد السيف هو الجزء القاطع منه الذي يفصل أي شيء إلى جزأين فكأن الذي يحادد هو من يحارب منهج الله ورسوله. فهو لا يكفر بالله فقط، ولكنه يحمل السلاح ليجعل خلق الله يكفرون أيضا.
والحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا دائما في جانب الإيمان، وألا يقيموا حدا بينهم وبين الإيمان به. والأحكام الشرعية تسمى حدودا، أي : أن كل حكم قد وضع ليحدد حدا من حدود الله، تحفظ به الحقوق والأوامر.
ومنهج الله إما أن يكون أوامر، وإما أن يكون نواهي، لأن منهج الدين كله في " افعل " و " لا تفعل " ويضع الحق سبحانه وتعالى عقابا لمن يتعدى حدوده سبحانه، فيقول سبحانه :
تلك حدود الله فلا تقربوها.... ( ١٨٧ ) ( البقرة )
ويقول :
تلك حدود الله فلا تعتدوها... ( ٢٢٩ ) ( البقرة )
ويسأل بعض الناس : ما الفرق بين اللفظتين تعتدوها و تقربوها .
ونقول : إذا كانت هناك أوامر فلا تتعد الأمر، وإذا كانت هناك نواه فلا تقترب من المنهي عنه.
ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حين نهى آدم وحواء عن الأكل من الشجرة المحرمة لم يقل : لا تأكلا من الشجرة، بل قال : فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة... ( ١٩ ) ( الأعراف ).
وبذلك أباح الأكل من كل ثمار الجنة، ولكنه أمر ولا تقربا هذه الشجرة لأن القرب من هذه الشجرة إغراء بالمعصية، فقد يعجبهما منظر الثمرة. وقد تغريهما رائحتهما، وقد يفتنهما لونها. ولكن عندما لا يقتربان من هذه المغريان كلها فهما يحميان نفسيهما من المعصية.
وعندما تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الخمر قال :
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه... ٩٠ ( المائدة )والحق لم يقل : لا تشربوا الخمر، ولكن أمر باجتناب الخمر، أي : لا نقرب أي مكان فيه خمر(٢)، لأن وجود الإنسان في مكان فيه خمر قد يوحي إليه بتناولها. وقد يجد من الجالسين من يحاول إغراء من لا يشرب بأن يتناول ولو جرعة. إذن : فالحق سبحانه يريد أن يقي النفس المؤمنة من أن تغرى بالمعصية فتقع فيها.
ويقول سبحانه في أدب الاعتكاف : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله.. ( ١٨٧ ) ( البقرة ).
المنهي عنه هنا هو المباشرة، أي : إن تواجدت الزوجة مع وزوجها في المسجد، فليس في هذا الأمر معصية ألا يباشرها الزوج(٣) ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : تلك حدود الله ولم يقل : فلا تفعلوها، ولكنه قال : فلا تقربوها... ( ١٨٧ ) ( البقرة ).
إذن : ففيها نهي الله سبحانه وتعالى عنه، مطلوب من المسلم ألا يقرب منه، أي : لا تكن أنت والشيء الذي نهى الله عنه في مكانة واحد، بل عليك أن تبتعد عن المكان، لأن المعصية لها إغراءات، وما دمت بعيدا عن الإغراءات، فأنت تعصم نفسك، أما إن اقتربت منها فقد تقع فيها.
أما في الأوامر، فيقول الحق سبحانه وتعالى : فلا تعتدوها . وعلى سبيل المثال : إن نشأ خلاف بين الزوجين وفشلت كل محاولات الصلح بينهما، يقول الحق سبحانه :
فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ( ٢٢٩ ) ( البقرة ).
إذن : ففي الأوامر يقول الحق : فلا تعتدوها ، وفي النواهي يقول سبحانه : فلا تقربوها .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ينذر الحق سبحانه وتعالى الذين يحادون الله ورسوله فيقول : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم والإنذار هنا بتمثيل في أنه يوضح لهم أن ما ينتظرهم ليس هو العذاب الجسدي فقط، ولكنه عذاب فيه خزي وهوان، فمثلا بعض الناس قد يتحمل ويتجلد أمام الألم حتى لا يشمت فيه عدوه، لذلك فالعذاب الذي يعدهم الله به في الآخرة ليس أليما فقط، ولكن فيه خزي وهوان. ويتمثل الخزي في أن المتكبر في الدنيا يأتي إلى الآخرة ويهام أمام الخلق جميعا، ويكفي خزيا أن يكون في النار. والمؤمنون الذين تكبر عليهم في الدنيا يعيشون في نعيم الجنة، وتلك حسرة تصيبه ليس بعدها حسرة.
٢ وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه". أخرجه أحمد في مسنده (٢/٩٧) وأبو داود في سننه (٣٦٧٤)ر والحاكم في مستدركه شاهدا وقال: ولم يخرجاه. والطبراني في الصغير (١/٢٦٦)..
٣ "الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل وليس أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مار في طريقه" انظر تفسير ابن كثير (١/٢٢٤)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي